أبو مجاهد العسّاف للزيدي: صبر المقاومة بدأ ينفد… فلا تختبروا الخطوط الحمراء

في بيان هو من الأكثر حدّة في المشهد العراقي خلال الفترة الأخيرة، وجّه أبو مجاهد العسّاف، المسؤول الأمني للمقاومة الإسلامية – كتائب حزب الله في العراق، رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، واضعاً ملف العلاقة بين الحكومة والمقاومة أمام معادلة جديدة: السيادة أولاً، وسلاح المقاومة ليس موضوعاً منفصلاً عن الوجود الأميركي والتركي والتوازنات الداخلية.
البيان لا يبدو مجرد اعتراض سياسي. لغته تحمل تحذيراً أمنياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تترك نافذة للحل السياسي إذا جرى تصحيح المسار.
أولاً: هذه هي شروط المقاومة
بحسب بيان العسّاف، فإن أي مقاربة حكومية لتنظيم العلاقة مع المقاومة حول ملف
«سلاح الكرامة»
يجب أن تبدأ بثلاثة ملفات أساسية:
1️⃣ إنهاء الوجود الأمريكي
المطالبة بخروج القوات الأميركية بالكامل من الأرض والسماء العراقية، مع ضمان عدم عودتها، إضافة إلى إنهاء ما تعتبره المقاومة هيمنة أميركية على القرارين السياسي والاقتصادي في العراق.
2️⃣إخراج القوات التركية
المقاومة تعتبر الوجود العسكري التركي في شمال العراق احتلالاً، وتطالب بإنهائه بشكل كامل.
3️⃣ حل قوات البيشمركة
البيان يطالب بحل قوات البيشمركة، ويصفها بأنها من أخطر التشكيلات المسلحة على وحدة العراق، منتقداً ارتباطاتها التي يعتبرها متصلة بالمحور الصهيوأميركي.
وهنا تظهر الرسالة الاستراتيجية بوضوح:
المقاومة ترفض اختزال قضية السلاح في سؤال: «متى تسلّم الفصائل سلاحها؟»
بالنسبة إليها، السؤال الأسبق هو:
من يملك السيادة العراقية؟ ومن يقرر شكل المنظومة الأمنية؟ ومن يضمن ألا يتحول العراق إلى ساحة نفوذ أميركية أو تركية؟
ثانياً: أكثر من 100 يوم من الصبر
العسّاف يقول إن المقاومة صبرت لأكثر من مئة يوم على ما وصفه بـ
«العنتريات الفارغة»
للزيدي، منتقداً عدم استيعابه — وفق تعبير البيان — للتعقيدات الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالعراق.
لكن التصعيد الأكبر جاء في اتهامه الحكومة بالاستماع إلى توم باراك، الذي يصفه البيان بأنه من الشخصيات المعادية للمقاومة وبيئتها.
وهنا لا يعود الخلاف عراقياً داخلياً فقط.
البيان يضع حكومة الزيدي في مواجهة سؤال أكبر:
هل بغداد تصوغ قرارها الأمني بنفسها، أم أن واشنطن ما زالت تملك تأثيراً حاسماً على هذا القرار؟
💥 ثالثاً: الخط الأحمر الأخطر — عوائل الشهداء والمجاهدين
أخطر ما في البيان ليس الحديث عن الأميركيين أو الأتراك أو البيشمركة، بل الاتهام الموجه إلى الحكومة بتنفيذ اقتحامات للمنازل وترويع عوائل الشهداء والجرحى والمجاهدين والمشايخ، مع اتهام بوجود إشراف أميركي.
العسّاف يربط هذه الإجراءات مباشرة بتاريخ المقاومة وتضحياتها، مذكّراً بأن رجالها — بحسب روايته — كانوا يقاتلون ويدفعون الدم بينما كان آخرون يعيشون في ظروف أكثر أمناً ورفاهية.
ثم تأتي العبارة التي لا يمكن التعامل معها كجملة عابرة:
«العين بالعين والبادي أظلم.»
هذه هي النقطة التي ينتقل فيها البيان من الضغط السياسي إلى الردع الأمني.
المغزى واضح: استمرار استهداف البيئة الاجتماعية للمقاومة قد يؤدي إلى رد، والمقاومة لا تريد أن يُفهم ضبط النفس على أنه عجز.
رابعاً: لماذا هذا البيان مهم الآن؟
لأن بغداد تواجه معادلة شديدة الحساسية:
حكومة تريد تثبيت سلطتها الأمنية، مقاومة ترفض نزع سلاحها تحت ضغط خارجي، وجود أميركي ما زال موضع نزاع، وجود تركي في الشمال، وخلافات داخلية حول شكل الدولة والمنظومة الأمنية.
وهذا يجعل ملف السلاح جزءاً من معركة السيادة وليس مجرد ملف أمني تقني.
ومن منظور المقاومة، أي محاولة لفرض نزع السلاح قبل معالجة الوجود الأجنبي والاختلالات الأمنية ستُقرأ باعتبارها إعادة ترتيب للعراق وفق شروط واشنطن، لا بناءً لسيادة عراقية مستقلة.
خامساً: الباب لم يُغلق بعد
رغم اللهجة القاسية، فإن البيان لا يدعو صراحةً إلى مواجهة مفتوحة.
بل يوجه نداءً إلى
«الإخوة الكبار وحكمائهم»
للتدخل وتصحيح ما يسميه «الاعوجاج الأمني»، بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وهذه نقطة مهمة.
الرسالة ليست: المواجهة حتمية.
بل أقرب إلى:
صحّحوا المسار الآن، قبل أن يصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة.
الخلاصة الاستراتيجية
بيان أبو مجاهد العسّاف يرفع سقف المواجهة السياسية والأمنية مع حكومة علي الزيدي، لكنه في الوقت نفسه يترك نافذة للتسوية.
المعادلة التي يطرحها البيان واضحة:
لا نزع للسلاح مع بقاء النفوذ الأميركي.
لا سيادة كاملة مع استمرار الوجود التركي.
لا استقرار داخلي مع استهداف بيئة المقاومة وعوائل الشهداء.
ولا يمكن اختبار صبر المقاومة إلى ما لا نهاية.
والأهم أن البيان يوجه رسالة إلى بغداد وواشنطن معاً:
المقاومة لن تقبل أن يتحول شعار «حصر السلاح بيد الدولة» إلى أداة لحصر القرار العراقي بيد الخارج.
في العراق، المعركة القادمة قد لا تكون حول من يحمل السلاح فقط، بل حول سؤال أكثر عمقاً: