أحمد الأسير مجدداً في الواجهة… بين حكم الإعدام، جدل العفو، وحساسية الشارع الصيداوي

صيدا – لبنان | 14 أغسطس/آب 2026
أطلق أبناء الشيخ أحمد الأسير عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوة إلى الاعتصام غداً بعد صلاة الجمعة أمام مسجد بهاء الدين الحريري في صيدا، تحت شعار:
«لن نرضى باستهداف كرامة أهل السنّة… أطلقوا سراح الشيخ أحمد الأسير ورفاقه».
الدعوة تفتح من جديد ملفاً شديد الحساسية في لبنان، لا يتعلق بشخص الأسير وحده، بل يتقاطع مع أحداث عبرا، سلطة القضاء العسكري، عقوبة الإعدام، وحدود التعبئة السياسية والطائفية في لبنان.
ماذا حدث في عبرا؟
في 23 و24 حزيران/يونيو 2013، اندلعت اشتباكات مسلحة في منطقة عبرا في صيدا، وتمحورت حول مسجد بلال بن رباح الذي كان مرتبطاً بالشيخ أحمد الأسير.
أسفرت المواجهات بين أنصار الأسير والجيش اللبناني عن:
• مقتل 18 عسكرياً لبنانياً، بينهم ضباط.
• إصابة أكثر من 100 عسكري.
• سقوط قتلى وجرحى في صفوف المسلحين والمدنيين أيضاً.
وكانت الأحداث من أخطر المواجهات المسلحة التي شهدها لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.
من بين العسكريين اللبنانيين الذين قُتلوا في أحداث عبرا:
النقيب علي عدنان المصري
الملازم الأول سامر جريس طنيوس
الملازم جورج إليان بو صعب
العريف الأول رامي علي خباز
الجندي بلال علي صالح
الجندي إيلي نيقولا رحمة
هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في ملف قضائي أو أرقام في إحصاءات الحرب؛ إنهم عسكريون لبنانيون قُتلوا أثناء المواجهات المسلحة في عبرا، وهو ما يجعل قضية أحمد الأسير مرتبطة أيضاً بذاكرة المؤسسة العسكرية وعائلات الضحايا.
ولذلك، فإن أي نقاش حول العفو أو تخفيف الأحكام أو إلغاء عقوبة الإعدام يجب أن يضع في الاعتبار حقوق المحكوم عليهم، ولكن أيضاً حقوق الضحايا وعائلات العسكريين الذين فقدوا أبناءهم في تلك الأحداث.
العدالة لا ينبغي أن تكون طائفية: لا حماية من القانون بسبب الانتماء، ولا عقوبة بسبب الانتماء.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام الدولة اللبنانية:
كيف يمكن تحقيق العدالة للضحايا والمحكومين في آن واحد، من دون تحويل ملف عبرا إلى وقود جديد للانقسام الطائفي؟
الحكم القضائي
في سبتمبر/أيلول 2017، أصدرت المحكمة العسكرية حكماً بالإعدام بحق أحمد الأسير، بعد إدانته بجرائم مرتبطة بقيادة أعمال مسلحة ضد الجيش، وتشكيل جماعة مسلحة والتحريض على الفتنة الطائفية.
⚰️ لكن ماذا عن عقوبة الإعدام في لبنان؟
لبنان لم ينفذ حكماً بالإعدام منذ عام 2004، رغم استمرار المحاكم اللبنانية، بما فيها المحاكم العسكرية، في إصدار أحكام بالإعدام في قضايا بالغة الخطورة، بينها الإرهاب والخيانة والقتل المشدد.
وهنا يعود الانقسام:
المطالبون بإلغاء أو تخفيف أحكام الإعدام يقولون إن العقوبة تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وإن احتمال الخطأ القضائي لا يمكن استبعاده، وإن السجن المؤبد قادر على تحقيق الردع وحماية المجتمع.
المعارضون للإلغاء يرون أن إلغاء الإعدام في قضايا قتل العسكريين أو الجرائم المصنفة إرهابية يضعف الردع، ولا ينسجم مع جسامة الجرائم، ولا ينصف عائلات الضحايا والعسكريين الذين قُتلوا في أحداث عبرا.
الدعوة إلى الاعتصام… أين تكمن الخطورة؟
الدعوة إلى تجمع بعد صلاة الجمعة في صيدا ليست مجرد تحرك قانوني عادي، خصوصاً عندما تُصاغ القضية ضمن خطاب يتحدث عن «كرامة أهل السنّة».
فإعادة تقديم ملف قضائي مرتبط بأحداث عبرا باعتباره استهدافاً لطائفة بأكملها يمكن أن ينقل النقاش:
من حكم قضائي وملف جنائي
إلى تعبئة طائفية وسياسية
وهذا تحديداً ما يجعل أي تحرك جماهيري يحتاج إلى ضبط سياسي وأمني شديد.
المسألة الأعمق ليست فقط: ماذا سيحدث للأسير؟
بل:
هل ستتحول المطالبة بالعفو أو تخفيف العقوبة إلى قضية سياسية وطائفية؟
⚖️ بين العدالة والانتقام… الدولة أمام اختبار
قضية أحمد الأسير لا يمكن فصلها عن دماء العسكريين الذين سقطوا في عبرا، كما لا يمكن فصلها عن النقاش الأوسع حول استقلال القضاء، صلاحيات المحكمة العسكرية، عقوبة الإعدام، والعفو السياسي في لبنان.
الدولة القوية لا تُبنى على الثأر الطائفي، كما لا تُبنى على إسقاط مسؤولية الجرائم الخطيرة تحت ضغط الشارع.
الاختبار الحقيقي هو قدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع، حماية الجيش، احترام حقوق المتهمين والمحكومين، ومنع تحويل العدالة إلى أداة للتعبئة الطائفية.
صيدا تراقب… وملف عبرا لم يُغلق سياسياً، حتى وإن صدر فيه حكم قضائي منذ سنوات.
السؤال الآن: هل نحن أمام تحرك قانوني للمطالبة بإعادة النظر في الأحكام، أم أمام محاولة لإعادة فتح جرح طائفي لم يلتئم بعد؟