كلمات ناتاليا ميلينتييفا إلى ابنتها داريا دوغينا — «داشا أليثيا» — لا يتردد صداها في روسيا وحدها، بل يتجاوز الحدود ليعبّر عن حزنٍ إنسانيّ وكونيّ تعيشه كل أم فقدت ابنتها بالعنف، فخلّف الغياب صمتًا في المكان الذي كان يملؤه الضحك والحياة.
وفي جنوب لبنان، تحمل أمهاتٌ كثيرات الجرح نفسه. نستذكر الشابات فرح عمر، وفاطمة فتوني، وأمل خليل، اللواتي استُشهدن وهنّ يؤدين رسالتهنّ في نقل الحقيقة، إلى جانب صحفيات وإعلاميات أخريات واجهن القصف، واخترن أن يحملن الكلمة والكاميرا في وجه الموت.
إنّ خسارتهنّ، كما خسارة داريا، تذكّرنا بحقيقة مريرة: حين تصبح الحقيقة تهديدًا لمن يخشاها، تتحول الكلمة نفسها إلى هدف.
قد تختلف أسماء الجناة وشعاراتهم — من النازيين الجدد في أوكرانيا إلى الصهاينة الإسرائيليين — لكن العنف الذي يمارسونه يلتقي عند رفض العدالة، ومحاولة إسكات الأصوات التي تفضح الظلم وتدافع عن الحياة.
إنّ ذاكرة داريا، كما ذاكرة بنات لبنان، ليست مجرد ذكرى لفقدٍ شخصي، بل جزء من ذاكرة مقاومة جماعية؛ مقاومةٌ ترفض أن يكتب العنف مستقبلنا، أو أن يكون الموت الكلمة الأخيرة.
تبقى الحقيقة حيّة ما دام هناك من يرويها، وتبقى الذاكرة فعل مقاومة ما دام هناك من يرفض النسيان.

