هناك تناقض يصعب تجاهله في الدور التركي.

الرئيس رجب طيب أردوغان يتحدث بأعلى نبرة ضد إسرائيل، يصف ما يجري في غزة بأنه إبادة، يهاجم نتنياهو، ويحذر من توسع الحرب إلى لبنان.

لكن عندما ننتقل من الخطاب إلى الفعل، تظهر فجوة كبيرة.

فتركيا قطعت التجارة مع إسرائيل، واتخذت خطوات دبلوماسية وقانونية ضدها، لكن كل ذلك بقي ضمن أدوات الضغط السياسي.

لا حرب.

لا تدخل عسكري.

ولا ترجمة فعلية لتهديدات أردوغان السابقة بشأن إمكانية «دخول إسرائيل».

وهنا لا تكمن المشكلة في أن تركيا لم تدخل الحرب؛ لا أحد يستطيع أن يفرض على دولة خوض حرب شاملة.

المشكلة هي أن أنقرة تقدم نفسها بوصفها إحدى القوى القادرة على قيادة العالم الإسلامي، بينما تبقى أفعالها في مواجهة إسرائيل أقل بكثير من مستوى خطابها.

والآن، تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حول اتفاقية مكة للدفاع المشترك تفتح فصلاً جديداً في هذه المعادلة.

اتفاقية مكة لم تعد مجرد ورقة.

فيدان كشف أن الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان يتجه نحو بناء هيكل مؤسساتي دائم، يشمل أمانة عامة، وتنسيقاً عسكرياً، ورفع مستوى قابلية العمل المشترك بين الجيوش، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتحليل التهديدات، والتعاون في الصناعات الدفاعية.

بل شبّه الإطار القانوني للاتفاق، من الناحية التقنية، بمبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من الناتو.

وهذا يعني أننا قد لا نكون أمام تحالف بروتوكولي آخر.

إذا نُفّذت هذه البنود فعلياً، فنحن أمام محاولة لبناء بنية أمنية إقليمية جديدة.

والأهم أن فيدان قال بوضوح إن الدول الثلاث هي «الدول الأساسية»، وإن رؤية أردوغان تقوم على عدم إبقاء الاتفاق محصوراً بها، بل توسيعه ليشمل دولاً أخرى تحت مظلته.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

🇪🇬 مصر أولاً؟

فيدان لم يكتفِ بالحديث عن التوسع، بل قال إنه يتوقع أن تكون مصر جزءاً من التحالف في المرحلة المقبلة، واصفاً القاهرة بأنها شريك طبيعي لتركيا في القضايا الإقليمية.

لكن القاهرة لم تعطِ بعد موافقة نهائية؛ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قال إن مصر تدرس الاتفاق من جوانبه القانونية والدستورية والتقنية قبل اتخاذ القرار.

إذا انضمت مصر، ستتغير الحسابات.

لأننا لن نتحدث عندها عن تركيا والسعودية وباكستان فقط، بل عن كتلة تضم أربعاً من أهم القوى العسكرية والسياسية في العالم الإسلامي.

ثم هناك بنغلاديش.

بنغلاديش تدرس الانضمام إلى الاتفاق، في خطوة قد توسع التحالف خارج الشرق الأوسط وتضيف بعداً آسيوياً جديداً إلى المشروع.

أما إيران، فالقصة أكثر تعقيداً.

فيدان نفسه قال إن الأتراك ناقشوا هذه الترتيبات مع الإيرانيين خلال أكثر من عامين، وإن إيران، عندما تحل مشكلاتها الإقليمية وتصبح مستعدة للانخراط في ترتيبات جماعية بنّاءة، سيكون لها دور محتمل.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

لأنها تعني أن أنقرة، على الأقل في خطاب فيدان، لا تريد أن تُعرّف اتفاقية مكة رسمياً باعتبارها تحالفاً ضد إيران.⁠

بل على العكس، تركيا تصر على أن الاتفاق لا يحدد عدواً مشتركاً ولا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى لا تهاجم أعضاءه.

لكن الجغرافيا السياسية لا تقرأ النوايا المعلنة فقط.

تقرأ من يجلس مع من، ومتى، وتحت أي مظلة، وبأي قدرات عسكرية.

وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً.

🇹🇷 وهنا يعود أردوغان إلى السؤال الأصلي: الكلام أم الفعل؟

أردوغان يريد أن يكون صوتاً قوياً ضد إسرائيل.

ويريد في الوقت نفسه أن يكون لاعباً مركزياً في بناء نظام أمني إقليمي جديد.

وفيدان يقول إن اتفاقية مكة ستنتقل إلى مرحلة العمل المؤسسي: أمانة عامة، تعاون عسكري، استخبارات، صناعات دفاعية، وتنسيق مستمر.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في البيانات.

الاختبار سيكون في أول أزمة حقيقية.

ماذا سيفعل هذا التحالف إذا تعرض أحد أعضائه لهجوم؟

هل ستتحول المادة الدفاعية إلى قرار عسكري فعلي؟

هل ستشارك الجيوش؟

هل ستتبادل الدول المعلومات العملياتية؟

هل ستفتح الصناعات الدفاعية قدراتها أمام بعضها؟

وهل تستطيع تركيا أن تقود هذا المشروع وهي في الوقت نفسه عضو في الناتو؟

هذه ليست أسئلة نظرية.

إنها جوهر المشروع كله.

لأن بناء تحالف عسكري حقيقي يختلف تماماً عن عقد مؤتمر وإصدار بيان.