في خطوة تكشف حجم المأزق الذي تعيشه كابول، أعلنت حركة طالبان استعدادها لفتح أبواب أفغانستان أمام الشركات الأميركية للاستثمار في التعدين والبنية التحتية والزراعة والتجارة، في وقت تسعى فيه إلى تخفيف العقوبات الأميركية والإفراج عن الأصول الأفغانية المجمّدة.

وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي قال إن كابول ترحب بالاستثمارات الأميركية.

المشكلة أن واشنطن لا تنظر إلى أفغانستان بوصفها شريكًا متكافئًا، بل كبلد يمتلك ما تحتاجه الأسواق الغربية: ثروات معدنية هائلة ونادرة.

تُقدَّر قيمة الموارد المعدنية غير المستغلة في أفغانستان بأكثر من تريليون دولار، وتشمل النحاس والليثيوم والكوبالت والذهب وغيرها.

وهنا يجب طرح السؤال الأصعب:

هل تبحث طالبان عن استثمار دولي حقيقي، أم أنها مستعدة لتقديم ثروات البلاد ثمناً للخروج من العزلة؟

واشنطن، من جهتها، لا تدخل هذا الملف بدافع العمل الخيري. التاريخ الأميركي في أفغانستان يجعل من الصعب التعامل مع أي انفتاح اقتصادي أميركي باعتباره مجرد “استثمار”. الولايات المتحدة تعرف جيدًا قيمة الموقع الجغرافي والثروات الاستراتيجية، وتعرف أيضًا أن الطرف الذي يفاوض من موقع اقتصادي وسياسي ضعيف يدفع ثمنًا أعلى.

والأكثر إثارة للقلق هو أن طالبان نفسها تمنح واشنطن ورقة تفاوضية إضافية.

فبدل بناء سياسة اقتصادية متعددة الشركاء تعتمد على الصين وروسيا وإيران ودول آسيا الوسطى وغيرها، تبدو كابول مستعدة لطرق باب القوة التي ساهمت أصلًا في تجميد أصولها وعزلها اقتصاديًا.

هذه ليست سيادة اقتصادية كاملة؛ إنها سياسة بقاء تحت الضغط.

وفي المقابل، يبدو اهتمام ترامب بأفغانستان انتقائيًا للغاية. فهو لم يندفع نحو تطبيع شامل مع كابول، بل ركّز على مطلب استعادة قاعدة باغرام الجوية، وهو ما ترفضه طالبان.

وهنا تتضح المعادلة:

واشنطن تريد النفوذ والموقع والثروات.

وطالبان تريد الاعتراف، رفع العقوبات والوصول إلى الأموال المجمدة.

وبين الطرفين توجد دولة فقيرة ومعزولة تمتلك ثروات طبيعية هائلة.

لكن على طالبان أن تفهم درسًا بسيطًا في الجغرافيا السياسية:

من يدخل المفاوضات مع الولايات المتحدة وهو في حاجة ماسة إليها، لا يستطيع أن يتوقع أن تكون الصفقة متكافئة.

إذا كانت أفغانستان تريد استثمار ثرواتها، فلتفتح أبوابها للعالم — ولكن بشروط أفغانية، وضمن منافسة متعددة الأطراف، لا عبر تسليم مفاتيح الثروة الوطنية لطرف واحد مقابل تخفيف العقوبات.

وإلا فإن أفغانستان قد تكتشف بعد سنوات أن ثرواتها الهائلة لم تخرجها من التبعية… بل أعادت إنتاجها في صورة جديدة.

المصدر : فايننشال تايمز