لم تعلن أوروبا رسمياً «حالة تأهب للحرب» على مستوى القارة، لكن عند جمع الإجراءات التي يجري تنفيذها حالياً داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، تظهر صورة واضحة: الحكومات الأوروبية تستعد عسكرياً ومدنياً لاحتمال أن تمتد المواجهة مع روسيا في نهاية المطاف إلى ما هو أبعد من أوكرانيا.

بريطانيا تعيد إحياء «دفاتر الحرب» الحكومية التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وتخطط لتنفيذ مناورة وطنية كبرى للدفاع الداخلي عام 2027، بهدف دمج السلطات المدنية ضمن خطط الاستعداد العسكري لأي صراع قد يمتد إلى الأراضي البريطانية.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تدعو بروكسل الأسر إلى أن تكون قادرة على الصمود لمدة لا تقل عن 72 ساعة من دون مساعدات خارجية، بالتوازي مع توسيع المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والدواء والوقود والمعدات الحيوية. وفي الوقت نفسه، تحشد أوروبا مئات المليارات من اليوروهات لتعزيز الدفاع الجوي، والصواريخ، والذخائر، والطائرات المسيّرة، والحركة العسكرية، وحماية البنية التحتية الحيوية.

ألمانيا أمرت بتسريع رفع الجاهزية العسكرية، وزيادة مخزونات الذخيرة، وتعزيز الدفاع الجوي وقدرات الضربات بعيدة المدى، في وقت يتعامل فيه كبار المسؤولين العسكريين علناً مع تقديرات تفيد بأن روسيا قد تستعيد القدرة على شن هجوم تقليدي واسع ضد أراضي الناتو في وقت لاحق من هذا العقد.

فنلندا رفعت الحد الأقصى لعمر جنود الاحتياط إلى 65 عاماً، ما قد يدفع حجم قوات الاحتياط لديها إلى الاقتراب من مليون فرد.

بولندا تعمل على إنشاء مشروع «الدرع الشرقي» على طول حدودها مع روسيا وبيلاروسيا، فيما ابتعدت بولندا ودول البلطيق عن حظر الألغام المضادة للأفراد بالتوازي مع تعزيز دفاعاتها الشرقية.

الدنمارك وسّعت نطاق التجنيد ليشمل النساء ومددت مدة الخدمة العسكرية، فيما تعمل دول الجناح الشرقي للناتو على تعزيز الحدود، وشبكات الطاقة، والملاجئ، والدفاعات المضادة للطائرات المسيّرة.

النقطة الأساسية ليست أن أوروبا تعتبر الحرب مع روسيا حتمية، بل أن طريقة التخطيط الأوروبية قد تغيّرت.

فعلى مدى عقود، كان اندلاع حرب كبرى بين قوى عظمى على الأراضي الأوروبية يُنظر إليه باعتباره سيناريو بعيد الاحتمال للغاية. أما اليوم، فقد أصبح سيناريو تضع الحكومات له الميزانيات، وتجري المناورات تحسباً له، وتبني على أساسه قدرات ميدانية فعلية.

أوروبا تسمي ذلك «الردع والاستعداد».

لكن الواقع العسكري واضح: القارة تعيد بناء كثير من الهياكل التي صُممت أساساً لحرب كان الأوروبيون يعتقدون أنها لن تعود أبداً.