تدخل أوروبا مرحلة خطيرة بالفعل. الإنفاق العسكري يتسارع، وحلف الناتو يعزز جناحه الشرقي، وألمانيا تشدد حماية بنيتها التحتية الحيوية، فيما تتحدث حكومات من بولندا إلى دول البلطيق بصورة متزايدة وكأن المواجهة مع موسكو لم تعد مجرد سيناريو نظري. ويقول الناتو إن هذه التحركات دفاعية، وإنه:

«لن يشن أبداً هجوماً أولاً».

لكن من الضروري التمييز بين بعض الادعاءات المنتشرة وبين ما قيل فعلياً.

قال وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي إن معلومات استخباراتية من عدة مصادر تشير إلى أن روسيا تستعد لـ:

«شيء كبير» هذا العام.

وتحدث عن احتمالات تتراوح بين عملية تحت راية زائفة قد تُستخدم لتبرير تعبئة روسية أوسع، وبين تصعيد وضغوط في منطقة البلطيق. لكنه لم يعلن امتلاك دليل على أن بولندا أو أوروبا تستعد لغزو روسيا.

في المقابل، حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن ألمانيا يجب أن تتوقع تصاعد الهجمات الروسية الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والتخريب والتدخلات، بالتزامن مع تعزيز ألمانيا لوضعها العسكري.

وهذا يختلف عن القول إن برلين تملك معلومات استخباراتية عن غزو روسي تقليدي وشيك.

أما موسكو، فترد بخطاب ردع أكثر وضوحاً. ففي 1 أكتوبر، حذر الرئيس فلاديمير بوتين من أن روسيا قد تستخدم:

«كل الأسلحة» المتاحة

إذا تعرضت الأراضي الروسية، بما في ذلك كالينينغراد، لهجوم مباشر. ورد الناتو علناً بالتأكيد على أنه تحالف دفاعي ويرفض التهديد والترهيب النووي.

في الوقت نفسه، أصبحت الحرب داخل أوكرانيا أكثر خطورة.

يقول مسؤولون أوكرانيون إن خطة روسية تم اعتراضها تتضمن حملة من ثلاث مراحل قد تستخدم ما يصل إلى 1,000 صاروخ وطائرة مسيّرة وقنبلة لاستهداف محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية وغيرها من مرافق البنية التحتية خلال الشتاء.

وقد تناولت وسائل إعلام كبرى هذه الوثيقة، لكن مضمونها لا يزال ادعاءً استخباراتياً أوكرانياً ولم يتم التحقق منه بشكل مستقل باعتباره خطة حرب روسية مؤكدة.

كما زعم زيلينسكي بشكل منفصل أن معلومات استخباراتية تم اعتراضها تشير إلى أن بوتين أبلغ القادة في سبتمبر بأن القيود التي كانت تحكم بعض الحملات الجوية السابقة قد رُفعت فعلياً. من جهته، ينفي الكرملين الاتهامات بأنه يتعمد استهداف البنية التحتية المدنية.

إذن… ما مدى اقتراب أوروبا من مهاجمة روسيا؟

استناداً إلى ما هو موثق علناً حتى الآن، فإن شن أوروبا أو الناتو ضربة أولى متعمدة ضد روسيا يبدو أمراً غير مرجح.

لا توجد أدلة علنية على وجود خطة هجومية أوروبية منسقة ضد روسيا، كما أن العقيدة المعلنة للناتو لا تزال تقوم على الدفاع الجماعي لا بدء الحرب. وحتى بعض المسؤولين الأوروبيين الأكثر تحذيراً من موسكو قالوا مؤخراً إنهم لا يرون هجوماً روسياً تقليدياً وشيكاً على أراضي الناتو.

الخطر الأكبر قد لا يكون قراراً أوروبياً مباشراً بغزو روسيا، بل تصعيداً تراكمياً:

ضربات أوكرانية أعمق داخل الأراضي الروسية، وحوادث حول كالينينغراد أو بحر البلطيق، واختراقات بالطائرات المسيّرة، واتهامات بالتخريب، وتوسع انتشار قوات الناتو، بالتوازي مع لغة نووية أكثر وضوحاً.

وهنا تحديداً يجب إخضاع الاستراتيجية الأوروبية الحالية للتدقيق.

الاستعداد للدفاع أمر منطقي، لكن تحويل كل حادث أمني إلى درجة جديدة في سلم التصعيد بين قوى نووية هو أمر مختلف تماماً.

قد لا تكون أوروبا تستعد للسير نحو موسكو، لكنها تبني وضعاً عسكرياً يمكن فيه لسوء تقدير واحد كبير أن يحوّل أسئلة كانت تبدو سابقاً غير قابلة للتصور إلى واقع شديد الخطورة.