إعدام الأسد غيابياً: عدالة حقيقية أم عدالة انتقائية في سوريا الجديدة؟

دمشق — 11 آب/أغسطس 2026
أصدرت محكمة سورية حكماً غيابياً بإعدام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد إدانته بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال سنوات الحرب السورية. كما صدرت أحكام بحق شقيقه ماهر الأسد وعدد من المسؤولين السابقين، فيما حُكم حضورياً بالإعدام على المسؤول الأمني السابق في
درعا عاطف نجيب.
لا يمكن تجاهل الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب السورية، ولا يمكن أن تكون العدالة انتقائية عندما يتعلق الأمر بالضحايا.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو:
من يملك شرعية إصدار هذه الأحكام؟ وهل ستُطبّق العدالة نفسها على الجميع؟
فرّ الأسد من دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024، ووصل إلى موسكو مع عائلته، حيث منحتهم روسيا اللجوء لأسباب إنسانية، وفق ما أعلنته مصادر الكرملين آنذاك.
وهذا يجعل موسكو لاعباً أساسياً في القضية، وليس مجرد المكان الذي يقيم فيه الأسد.
فروسيا تملك عملياً إحدى أهم أوراق الملف: حماية الأسد نفسه. وأي محاولة من دمشق لتنفيذ حكم الإعدام الصادر غيابياً ستتحول سريعاً إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية مع موسكو.
أما الملف المالي، فيحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.
تنتشر منذ سنوات تقديرات ضخمة حول ثروة عائلة الأسد وأصولها الموجودة خارج سوريا. لكن التقدير الأكثر قابلية للاستناد في المصادر المفتوحة هو تقرير لوزارة الخارجية الأميركية عام 2022 قدّر ثروة عائلة الأسد الموسعة بنحو 1 إلى 2 مليار دولار، مع تأكيد التقرير نفسه أنه لم يتمكن من التحقق من الرقم بشكل مستقل.
لذلك، لا يصح تقديم مقولة إن “كل ثروة الأسد موجودة في المصارف الروسية” كحقيقة مثبتة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
ما حجم الأصول المرتبطة بعائلة الأسد الموجودة فعلياً في روسيا؟ ومن يسيطر عليها؟ وهل يمكن أن تستخدمها موسكو كورقة تفاوضية إذا طالبت دمشق باستردادها أو تجميدها؟
قد يصبح هذا الملف أكثر أهمية من حكم الإعدام نفسه.
وهنا نصل إلى مسألة مصداقية المحكمة والسلطة الجديدة.
تقدم السلطات السورية الجديدة الحكم باعتباره خطوة في اتجاه المحاسبة والعدالة الانتقالية. لكن المشكلة أن المرحلة الانتقالية نفسها شهدت اتهامات خطيرة بانتهاكات ارتكبتها قوات مرتبطة بالسلطات الجديدة.
فوفق تحقيقات أممية، قُتل أكثر من 1,400 شخص في آذار/مارس 2025، معظمهم من المدنيين العلويين، خلال أعمال عنف شاركت فيها قوات حكومية ومجموعات مسلحة مرتبطة بها. وخلصت لجنة التحقيق الأممية إلى أن الانتهاكات الموثقة قد ترقى إلى جرائم حرب، وربما إلى جرائم ضد الإنسانية في حال أثبتت التحقيقات الإضافية ذلك.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل تستطيع سلطة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة أن تقود محاكمة جرائم السلطة السابقة دون إخضاع قواتها وقياداتها للتحقيق نفسه؟
هل ستشمل العدالة الانتقالية الجميع، بمن فيهم القادة والشخصيات السياسية المرتبطة بالقوى التي سيطرت على دمشق؟
أم تتحول “العدالة” إلى أداة لإعادة صياغة ميزان السلطة وتصفية الحسابات السياسية؟
ومن منظور محور المقاومة، فإن هذه النقطة جوهرية.
فسقوط الأسد لم يحوّل سوريا تلقائياً إلى دولة محايدة أو ديمقراطية أو مستقلة القرار. ما حدث هو تغيير في موازين القوى، فيما تدور المعركة التالية حول من يسيطر على الدولة السورية، ومن يحدد خصومها، ومن يملك القرار في أراضيها، وأي جرائم ستصل إلى قاعات المحاكم.
وهنا تحديداً لا ينبغي التقليل من الدور الروسي.
فموسكو خسرت حليفها السوري الأساسي في عام 2024، لكنها لم تخسر بالضرورة كل أوراق نفوذها. وجود الأسد في روسيا، ومستقبل المصالح والترتيبات الروسية في سوريا، إضافة إلى ملف أصول عائلته، كلها أوراق يمكن أن تمنح موسكو هامشاً للمساومة في أي مواجهة مستقبلية مع دمشق.
الاختبار الحقيقي للعدالة السورية ليس القدرة على إدانة الأسد.
الاختبار هو: هل تستطيع سوريا بناء نظام قانوني يحاسب حكام الأمس، وحكام اليوم، وحكام الغد بالمعايير نفسها؟ و هنا نعني الرئيس الحالي احمد الشرع المعروف ب ابو محمد الجولاني ؟ فمن يحاكمه يا ترى على الجرائم التي نفذها قبل اغتصاب الحكم و الان ؟
وإلا فإن ما يسمى “عدالة انتقالية” لن يكون سوى: