العراق يصعّد بسرعة استجابته للهجمات المزعومة على السعودية.
عملية أمنية واسعة تجري في ميسان لتعقّب من يُشتبه بمسؤوليتهم عن الهجمات. كما تتحدث مصادر محلية عن توجيهات للجيش العراقي والشرطة بالانتشار في عموم البصرة، وتنفيذ عمليات دهم وتحقيق بحق مطلوبين بموجب المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، إلى جانب التحقيق في كيفية دخول معدات ومواد يُشتبه بأنها قادمة من إيران، وربما استُخدمت في الهجمات.
ثم جاءت خطوة أكثر أهمية: أفاد مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى لـ«الميادين» بأن مكتب القائد العام للقوات المسلحة أمر بإغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران في البصرة. وأفادت «رويترز»، نقلاً عن مصدرين أمنيين، بأن الإغلاق جاء كإجراء احترازي عقب الهجمات على السعودية.
وجاء إغلاق المنفذ بعد أيام من اتهام السعودية بإطلاق مسيّرات من محافظة ميسان استهدفت خط أنابيب النفط شرق-غرب بالقرب من الرياض والمدينة المنورة. وردًّا على ذلك، أقال رئيس الوزراء علي الزيدي قائد عمليات ميسان وأمر بتشكيل مجلس للتحقيق.
كما أعلنت بغداد أن الأراضي والأجواء العراقية لن تُستخدم منصةً لشنّ العدوان على أي دولة، وتعهدت بمنع وقوع هجمات جديدة تنطلق من الأراضي العراقية.
وفي الوقت نفسه، أعلنت العراق رسميًا تعليق الرحلات الجوية من وإلى إيران حتى إشعار آخر.
الإنذار الأحمر
إذا نُظر إلى كل إجراء بشكل منفصل، يمكن تقديمه باعتباره استجابة أمنية مشروعة.
لكن عند جمعها معًا، تظهر مسارًا أوسع:
هجوم على السعودية → تحقيق في ميسان → حملة أمنية في البصرة → إغلاق الحدود مع إيران → تعليق الرحلات مع إيران → تصاعد الضغط على الفصائل المسلحة.
والتوقيت السياسي لا يمكن تجاهله.
فالزيدي يواجه أصلًا ضغوطًا شديدة لنزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران بحلول 30 أيلول/سبتمبر، في وقت ترفض فيه فصائل قوية هذا الطلب.
وهكذا تمنح الهجمات على السعودية بغداد رواية سياسية شديدة القوة:
الأراضي العراقية → جماعات مسلحة → هجمات على السعودية → تهديد لسيادة الدولة.
وهذه الرواية يمكن أن تتحول إلى سلاح سياسي.
فقد تُستخدم لتبرير توسيع الاعتقالات، ومصادرة الأسلحة، وتشديد القيود الحدودية، وتصعيد الضغط على الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية.
هناك سؤال مشروع:
من نفّذ الهجمات؟
لكن هناك سؤال آخر على بغداد الإجابة عنه:
من المستفيد إذا تحوّل التحقيق في الهجمات إلى حملة أوسع ضد فصائل المقاومة العراقية؟
على الحكومة أن تقدم أدلة، لا افتراضات سياسية: معلومات استخباراتية عن مواقع الإطلاق، أدلة جنائية، روابط القيادة والسيطرة، مصدر الأسلحة والمعدات، وتحديدًا واضحًا للمنفذين.
وإلا فإن تحقيقًا أمنيًا مشروعًا قد يتحول إلى ذريعة لإعادة صياغة ميزان القوى الداخلي في العراق تحت ضغط الرياض وواشنطن.
لم تعد القضية فقط:
من هاجم السعودية؟
بل أصبحت:
هل ستستخدم بغداد الهجوم لإعادة تعريف الجهة التي تتحكم بسلاح العراق وحدوده وقراره الاستراتيجي؟

