مشاهد الاشتباكات التي خرجت اليوم من زاهدان ليست حادثاً أمنياً عابراً. فبحسب مقر «قدس» التابع للقوات البرية في الحرس الثوري الإيراني، رصدت القوات صباح الخميس 1 تشرين الأول/أكتوبر خلية مسلحة في منطقة منزل آباد بعد عملية متابعة استخباراتية، وقال الحرس إن أفرادها كانوا يستعدون لتنفيذ هجوم. العملية انتهت، وفق الرواية الرسمية، بمقتل 6 مسلحين وضبط عبوات ناسفة كانت بحوزتهم.

مصادر محلية تحدثت عن معركة استمرت عدة ساعات منذ نحو السادسة صباحاً، مع إطلاق نار كثيف وسماع استخدام قذائف RPG. وحتى الآن لم يعلن الحرس الثوري اسم التنظيم الذي ينتمي إليه القتلى أو هوياتهم، لذلك لا يمكن الجزم بأنهم يتبعون «جيش العدل» أو أي تنظيم آخر قبل ظهور معلومات إضافية.

لكن الأهم هو السياق.

سيستان وبلوشستان، على الحدود مع باكستان وأفغانستان، واحدة من أكثر مناطق إيران اضطراباً أمنياً. المنطقة ذات غالبية بلوشية سنية، وهي أيضاً من أقل المحافظات الإيرانية نمواً، وشهدت لسنوات عمليات لتنظيمات مسلحة إلى جانب نشاط مهربي المخدرات واشتباكات متكررة مع قوات الأمن. ومن أبرز الجماعات هناك «جيش العدل»، الذي ظهر عام 2012 من بقايا تنظيم «جند الله» ونفذ سلسلة هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية.

وما حدث اليوم يأتي بعد تصعيد واضح خلال الأسابيع الأخيرة: في 12 أيلول قُتل ثلاثة من عناصر الحرس وأربعة مسلحين في اشتباكات بسراوان؛ وفي 18 أيلول أعلنت السلطات مقتل مسلحين اثنين واعتقال ثالث في زاهدان؛ وفي 23 أيلول قُتل قائد محلي في الحرس خلال اشتباك آخر بسراوان، قبل أن تتجدد المواجهات اليوم على نطاق أكبر. كما قُتل شرطي فجر اليوم في هجوم منفصل على نقطة تفتيش في راسك.

لماذا زاهدان مهمة؟

لأنها ليست مجرد مدينة حدودية؛ إنها عاصمة المحافظة وأحد أهم المراكز التي تحاول طهران إبقاءها تحت سيطرة أمنية مشددة. وقد شهدت المنطقة سابقاً هجمات كبيرة، بينها هجمات تشابهار وراسك في نيسان/أبريل 2024 التي أسفرت، وفق الإعلام الإيراني، عن مقتل 11 من قوات الأمن و16 مسلحاً. وفي تموز/يوليو 2025 تعرض مبنى قضائي في زاهدان لهجوم بالأسلحة والقنابل أدى إلى مقتل ستة أشخاص بينهم طفل وإصابة نحو عشرين.

من زاوية تحقيقية، السؤال الآن ليس فقط: من قُتل اليوم؟ بل لماذا تتسارع العمليات بهذه الصورة؟

هل نحن أمام خلايا منفصلة، أم أن هناك محاولة لإعادة تنظيم الجماعات المسلحة البلوشية ورفع وتيرة عملياتها؟ وهل ستبقى المواجهات محصورة داخل المحافظة، أم أن طهران ستعيد فتح ملف الحدود مع باكستان، خصوصاً أن إيران سبق أن ضربت مواقع قالت إنها تابعة لـ«جيش العدل» داخل الأراضي الباكستانية عام 2024، ما تسبب حينها بأزمة خطيرة بين البلدين؟

حتى اللحظة، لا توجد معلومات موثوقة علناً تربط اشتباك اليوم بدولة أجنبية أو جهاز استخبارات خارجي. لكن تواتر العمليات خلال أسابيع قليلة يجعل ما يجري في جنوب شرق إيران ملفاً يستحق المتابعة؛ فالمشهد يبدو أقرب إلى موجة أمنية متصاعدة منه إلى حادث منفرد.

الخلاصة: الحرس الثوري يقول إنه أحبط هجوماً قبل تنفيذه، لكن هوية التنظيم المستهدف وما إذا كانت هذه المواجهة جزءاً من حملة مسلحة أوسع لا تزال أسئلة مفتوحة.