يعود هذا العنوان إلى اللقاء الذي جمع في 12 سبتمبر/أيلول 2026 الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد، على هامش قمة بريكس في نيودلهي. وقالت الرواية الإماراتية الرسمية إن المحادثات ركزت على خفض التصعيد، والاستقرار الإقليمي، وفتح آفاق أمام السلام والتنمية. وقال بزشكيان لاحقاً إن الجانبين اتفقا على وضع الخلافات السابقة جانباً ومناقشة كيفية بناء علاقتهما في المستقبل.
لكن ما جرى لم يكن معاهدة سلام، ولا تحالفاً، ولا اتفاقاً استراتيجياً ملزماً. بل كان انفتاحاً سياسياً بعد أشهر من التدهور الحاد في العلاقات خلال الحرب الأميركية–الإيرانية. وقبل ذلك بأسابيع فقط، كانت أبوظبي قد علّقت التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، بعد اتهام طهران بتهديد الأمن الإماراتي وأمن الملاحة البحرية. وقد رفضت إيران بعض هذه الاتهامات.
لماذا الحوار الآن؟ لأن الجغرافيا والاقتصاد يفرضان على الطرفين إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
تقع الإمارات قبالة إيران عبر واحد من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. وقد ألحقت الحرب والاضطرابات في محيط مضيق هرمز أضراراً بالملاحة وصادرات الطاقة واقتصادات الخليج. وقبل القيود الأخيرة، كانت الإمارات أيضاً من أكبر الشركاء التجاريين لإيران، وشكّلت نحو 30% من واردات إيران عام 2024. لذلك فإن استمرار المواجهة لفترة طويلة يحمل كلفة كبيرة على الطرفين.
وهناك أيضاً حساب عسكري مباشر: أبوظبي لا تريد أن تبقى موانئها ومنشآتها النفطية والقواعد أو المنشآت الأميركية على أراضيها عرضة بصورة متكررة لتداعيات أي مواجهة إقليمية بين إيران والولايات المتحدة، في حين أن لطهران مصلحة واضحة في منع تحوّل كل دولة خليجية إلى جبهة نشطة ضدها.
لكن لدى طهران أسباب تدفعها إلى الحكم على هذا الانفتاح من خلال الأفعال، لا الخطاب الدبلوماسي.
فبعد 11 يوماً فقط من لقاء بريكس، منع المصرف المركزي الإماراتي بنك «ملي» الإيراني من العمل في البلاد، متذرعاً بمخالفات تنظيمية. كما استضاف الرئيس الإماراتي محمد بن زايد هذا الأسبوع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما أفادت رويترز بأن قضايا إقليمية، وعلى رأسها إيران، كانت ضمن الملفات التي نوقشت.
وهذا يعني أن أبوظبي تواصل الانفتاح على طهران، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية العميقة مع واشنطن وإسرائيل.
حتى المستشار الإماراتي البارز أنور قرقاش أقرّ بأن اللقاء لا يعني أن الحكومتين باتتا متفقتين فجأة على كل شيء. وخلاصة موقفه أن الجغرافيا تجعل الحوار أمراً لا مفر منه، لكن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى أكثر من الكلمات.
فما الذي يمكن أن ينتج واقعياً عن هذا المسار؟
التوصل إلى تفاهم محدود يبدو أكثر واقعية من قيام شراكة استراتيجية حقيقية: إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، منع التصعيد غير المقصود، حماية الملاحة، إدارة التوتر في مضيق هرمز، واستعادة بعض العلاقات التجارية تدريجياً.
أما المصالحة الأعمق، فتحتاج إلى معالجة ملفات أكثر تعقيداً بكثير: الأمن الإقليمي، علاقة إيران بالقوات الأميركية في الخليج، الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وإسرائيل، أمن الملاحة، والخلافات المزمنة التي طبعت العلاقات بين طهران وأبوظبي.
بعبارة أخرى، فإن شعار «ترك الماضي خلفنا» يحمل إشارة دبلوماسية مهمة، لكنه لا ينبغي أن يُفهم حتى الآن على أنه ثقة متبادلة.
الاختبار الحقيقي لن يكون صورة جديدة أو بياناً دبلوماسياً آخر، بل ما ستفعله الحكومتان فعلياً عندما تندلع الأزمة الإقليمية المقبلة.

