خلال الأسبوع الماضي، أثار الموقف الإيراني من الملف النووي قدراً لافتاً من الالتباس — يعود جزء منه إلى تقارير عدائية أو غير دقيقة، لكن جزءاً آخر سببه أن طهران نفسها لم تتحدث دائماً بصوت واحد وواضح.

وتسلسل الأحداث هنا مهم.

في 24 أيلول/سبتمبر، أجرى الرئيس مسعود بزشكيان مقابلة مع بريت باير من شبكة «فوكس نيوز» في نيويورك. وعندما سُئل عما إذا كانت إيران مستعدة للتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، قال بزشكيان إن طهران مستعدة لخفض تركيز هذه المواد، والقبول بآليات التحقق، والعمل ضمن إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). كما أجاب بالإيجاب عندما سُئل بشكل مباشر عن وقف التخصيب عند مستوى 60%.

كان ذلك عرضاً مهماً، لكنه لا يعني أن إيران أعلنت موافقتها على إلغاء تخصيب اليورانيوم بشكل دائم.

وفي الواقع، كان بزشكيان قد قال أمام الأمم المتحدة قبل ذلك بيوم واحد فقط إن إيران لن تتخلى عما تعتبره حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.

ثم جاء التقرير الذي فجّر الجدل الحقيقي.

يوم الاثنين 28 أيلول/سبتمبر، أفادت قناة «الحدث» السعودية ( المعادية لإيران ) ، نقلاً عن مصادر في باكستان مشاركة في جهود الوساطة، بأن إيران

«وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات الأميركية»

وسرعان ما انتشر الخبر عبر وسائل الإعلام الدولية والأسواق المالية.

لكن هناك نقطة يجب تصحيحها، لأنها تعرّضت بالفعل للتحريف على الإنترنت:

الإعلان لم يصدر عن الإعلام الرسمي الإيراني.

مصدر الخبر كان قناة «الحدث»، التي استندت إلى مصادر باكستانية لم تسمّها.

وبعد ساعات فقط، جاء الرد الإيراني.

فقد قال مسؤول إيراني لم تُكشف هويته لقناة Press TV، وهي القناة الإيرانية الرسمية الناطقة بالإنجليزية، إن التقارير التي تتحدث عن تقديم إيران تنازلات في الملف النووي «كاذبة»، وإن الموقف النووي الإيراني لم يتغير.

والأكثر لفتاً للانتباه أنه قال إن الملف النووي لم يكن أصلاً جزءاً من المباحثات الجارية في تلك المرحلة، وإن المحادثات كانت، وفق الرواية الإيرانية، تتركز على ملف مضيق هرمز.

وهكذا، وخلال نحو أربعة أيام فقط، تلقى العالم ثلاث رسائل مختلفة:

• بزشكيان: إيران تستطيع خفض تركيز مخزونها المخصب بنسبة 60%، ويمكن مناقشة وقف التخصيب عند هذا المستوى.

• قناة الحدث: إيران وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

• المسؤولون الإيرانيون: لا، موقف إيران النووي لم يتغير، والتقارير التي تتحدث عن مثل هذا الاتفاق غير صحيحة.

أما الموقف العلني الأخير لوزير الخارجية عباس عراقجي، فيجعل هذا التمييز أكثر وضوحاً.

ففي مقابلته مع برنامج Meet the Press على شبكة NBC بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر، دافع عراقجي عن التخصيب بنسبة 60%، قائلاً إن هذا المستوى من التخصيب ليس محظوراً بحد ذاته وفق تفسير إيران لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي الوقت نفسه، قال إن مسألة التخصيب بنسبة 60% يمكن أن تعود إلى طاولة التفاوض إذا أظهرت واشنطن استعداداً حقيقياً للتوصل إلى اتفاق.

لكنه لم يعلن موافقة إيران على مبدأ «صفر تخصيب» بشكل دائم.

وهناك تمييز آخر مهم تغفله الكثير من التغطيات الإعلامية:

تمسك إيران بقدرتها أو بحقها في التخصيب لا يعني بالضرورة أن أجهزة الطرد المركزي تنتج حالياً كميات جديدة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

فالوضع الميداني الفعلي للبرنامج النووي لا يزال غامضاً بصورة غير اعتيادية بعد الهجمات التي استهدفت نطنز وفوردو وأصفهان.

وكان آخر رقم استطاعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق منه قبل فقدان «استمرارية المعرفة» بشأن البرنامج هو وجود 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب حتى نسبة 60%، وذلك حتى 13 حزيران/يونيو 2025.

وقالت الوكالة لاحقاً إنها لم تعد قادرة على التحقق بشكل موثوق من الحجم الحالي للمخزونات أو من الأنشطة المرتبطة بالتخصيب داخل المنشآت المتضررة.

وهذا التفريق أساسي لفهم ما يحدث.