اجتماع طهران | هل بدأت دول المنطقة البحث عن نظام أمني جديد بعيداً عن الهيمنة الأميركية؟ أم أنها محاولة لإنقاذ ترامب قبل الانتخابات؟
27 تشرين الأول 2026 | طهران – الشرق الأوسط
يثير الحديث عن اجتماع أمني رفيع المستوى في طهران، بمشاركة ممثلين عن إيران والسعودية وتركيا وباكستان وقطر، تساؤلات استراتيجية تتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي التقليدي.
فالسؤال لم يعد مقتصراً على كيفية احتواء التصعيد العسكري، بل بات يتعلق بمستقبل النظام الأمني الإقليمي نفسه:
هل تستطيع دول الخليج إدارة أمنها عبر تفاهمات مباشرة مع القوى الإقليمية، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على المظلة العسكرية الأميركية؟
1. إيران… لاعب لا يمكن تجاوزه
تحتل إيران موقعاً محورياً في أي ترتيبات أمنية تخص الخليج، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية والصاروخية، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي المشرف على مضيق هرمز.
فالمضيق يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة العالمية، وأي مواجهة عسكرية واسعة فيه قد تترك تداعيات اقتصادية تتجاوز المنطقة بأكملها.
وهنا تبرز معادلة استراتيجية: لا يمكن بناء أمن مستدام في الخليج من دون معالجة المصالح والمخاوف الأمنية الإيرانية.
2. هل بدأت الثقة بالحماية الأميركية تتراجع؟
تطرح الحروب والتوترات المتصاعدة سؤالاً حساساً أمام العواصم الخليجية:
ما جدوى الإنفاق الهائل على الأسلحة والقواعد والتحالفات العسكرية إذا بقيت المنشآت الحيوية والموانئ والمطارات عرضة للهجمات؟
وهل أصبحت المظلة الأميركية وسيلة لحماية المنطقة، أم أن الارتباط العسكري الوثيق بواشنطن قد يجعل بعض الدول أهدافاً إضافية في أي مواجهة مع إيران؟
هذه الأسئلة قد تدفع دول المنطقة إلى البحث عن تفاهمات أمنية مباشرة مع طهران، حتى من دون إنهاء شراكاتها القائمة مع الولايات المتحدة.
3. لماذا السعودية وتركيا وباكستان وقطر؟
إذا تأكدت طبيعة المشاركة الرفيعة المنسوبة إلى هذه الدول، فإن اجتماعها في طهران يحمل دلالات مهمة.
فالسعودية معنية مباشرة بأمن منشآتها النفطية، وتركيا تسعى إلى الحفاظ على دورها الإقليمي، وباكستان تخشى تداعيات حرب واسعة قرب حدودها، بينما تمتلك قطر مصالح أمنية واقتصادية مع أطراف متعددة.
لكن وجود مصالح مشتركة في منع الحرب لا يعني بالضرورة وجود اتفاق على تأسيس تحالف جديد بقيادة إيران.
4. التوقيت الأميركي… هل للانتخابات دور؟
يأتي هذا الحراك قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في 3 تشرين الثاني 2026.
وهنا يبرز احتمال سياسي يستحق الدراسة:
هل تسعى بعض الأطراف إلى احتواء المواجهة بما يمنح إدارة ترامب فرصة لتقديم إنجاز دبلوماسي قبل الانتخابات؟
أم أن العواصم الإقليمية باتت تتحرك انطلاقاً من حساباتها الأمنية الخاصة، بصرف النظر عن المصالح الانتخابية للرئيس الأميركي؟
لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأي من التفسيرين، لكن التوقيت يمنح التحركات الدبلوماسية أهمية إضافية.
5. هل يعني ذلك بداية الانسحاب الأميركي؟
التصريحات المنسوبة إلى المبعوث الأميركي توم براك بشأن ضرورة اعتماد دول الخليج على نفسها تثير نقاشاً حول مستقبل الدور العسكري الأميركي.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين تقليص الالتزامات العسكرية الأميركية وبين الانسحاب الكامل من المنطقة.
كما أن أي تقارب إقليمي مع إيران لا يعني تلقائياً انتقال الهيمنة من واشنطن إلى طهران.
القراءة الجيوسياسية | أمام المنطقة ثلاثة احتمالات:
الأول: تفاهمات أمنية إقليمية تقلل احتمالات الحرب، مع استمرار الوجود الأميركي.
الثاني: تسوية مؤقتة هدفها احتواء التصعيد، من دون تغيير جوهري في التحالفات.
الثالث: بداية تحول تدريجي نحو ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً، يكون لإيران فيها دور رئيسي إلى جانب بقية القوى الإقليمية.
الخلاصة:
الأهمية الاستراتيجية لأي اجتماع من هذا النوع لا تكمن في الصور الدبلوماسية، بل في نتائجه العملية: هل يؤدي إلى تفاهمات بشأن هرمز، ومنع الهجمات، وحماية المنشآت الحيوية، وخفض احتمالات الحرب؟
فإيران لا يمكن تجاهلها في أمن الخليج، لكن الاعتراف بدورها لا يعني بالضرورة قبول بقية دول المنطقة بهيمنتها.
والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة هذه الدول على الانتقال من إدارة الأزمات تحت ضغط الحرب إلى بناء ترتيبات أمنية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
