8 أكتوبر 2026

خرج آلاف الطلاب البرازيليين إلى شوارع ريو دي جانيرو، يوم الأربعاء 7 أكتوبر، احتجاجاً على احتمال وصول فلافيو بولسونارو إلى رئاسة البرازيل، محذرين من عودة اليمين المتطرف إلى السلطة.

وجاءت هذه التظاهرات عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد، والتي حصل فيها فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، على نحو 47% من الأصوات، متقدماً على الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي حصل على نحو 45%.

ومن المقرر أن يتواجه المرشحان في الجولة الثانية من الانتخابات يوم 25 أكتوبر.

لكن القضية تتجاوز احتمال وصول بولسونارو آخر إلى الرئاسة، فهي تتعلق أيضاً بسيادة البرازيل واستقلال قرارها السياسي.

وسار المتظاهرون في وسط ريو دي جانيرو رافعين لافتات كُتب عليها:

▪️ «لا للأب ولا للابن!»

▪️ «البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد!»

▪️ «لا عودة إلى الديكتاتورية أبداً!»

لماذا تحضر واشنطن بقوة في هذه المعركة الانتخابية؟

يرتبط فلافيو بولسونارو بعلاقات وتقارب أيديولوجي وثيق مع التيار السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حين دافع لولا مراراً عن حق البرازيل في انتهاج سياسة خارجية مستقلة عن القوى الكبرى.

ويخشى أنصار لولا أن يؤدي وصول بولسونارو إلى الرئاسة إلى دفع برازيليا نحو تقارب أكبر مع واشنطن، بما قد يضعف استقلالية القرار الدبلوماسي البرازيلي.

وهذه المخاوف لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى سوابق سياسية واضحة.

ففي عام 2025، فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية، إلى جانب عقوبات على أحد قضاة المحكمة الاتحادية العليا في البرازيل، مستنداً في ذلك إلى الملاحقات القضائية بحق الرئيس السابق جايير بولسونارو.

وبالنسبة لكثير من البرازيليين، أثارت تلك الإجراءات سؤالاً بالغ الحساسية:

أين تنتهي الدبلوماسية الأمريكية المشروعة، وأين يبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى؟

الأبعاد الجيوسياسية لهذه المواجهة تتجاوز حدود البرازيل بكثير.

فالبرازيل ليست دولة عادية في أمريكا اللاتينية، بل هي أكبر دول المنطقة مساحةً وسكاناً، وعضو مؤسس في مجموعة «بريكس»، وقوة زراعية وصناعية وطاقوية كبرى.

وعلاقتها بواشنطن مهمة للغاية، لكن علاقاتها مع الصين وروسيا وأفريقيا ودول الجنوب العالمي لا تقل أهمية.

تقوم مقاربة لولا على الاستقلال الدبلوماسي وتنويع الشراكات الدولية، في حين يفضّل فلافيو بولسونارو توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، معتبراً أن هذا التقارب سيعود بالفائدة على البرازيل.

لكن منتقديه يخشون أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة تبعية البرازيل لواشنطن، بينما يرى أنصاره أن التقارب مع الولايات المتحدة يمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية.

ما شهدته ريو دي جانيرو يكشف عمق الانقسام السياسي داخل المجتمع البرازيلي.

فبالنسبة إلى الطلاب الذين نزلوا إلى الشوارع، لا تتعلق الانتخابات بمجرد استبدال رئيس بآخر، بل بمستقبل الديمقراطية والتعليم العام والحقوق الاجتماعية، وبقدرة البلاد على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط الخارجية.

ومع وجود ملايين البرازيليين المؤيدين لكل من المرشحين، تدخل المعركة على هوية البرازيل وتوجهها السياسي مرحلتها الأكثر حساسية.

السؤال المطروح قبل 25 أكتوبر ليس فقط من سيحكم البرازيل، بل إلى أي مدى ستتمكن هذه القوة اللاتينية الكبرى من الحفاظ على استقلال قرارها في عالم يزداد انقساماً واستقطاباً.