بعد فوزهم المزدوج في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وسيطرتهم على مجلسَي الكونغرس، يدخل الديمقراطيون المرحلة السياسية الجديدة مسلّحين بأغلبية في مجلس النواب، حيث كانوا بحاجة إلى 218 مقعداً مقابل 212 مقعداً كانوا يشغلونها سابقاً، إلى جانب أغلبية أخرى في مجلس الشيوخ.
ويضعهم هذا التحول في موقع يتيح لهم السيطرة على كامل أدوات التحقيق والرقابة البرلمانية، بينما يبقى ترامب في منصبه حتى كانون الثاني/يناير 2029. (The Guardian, CBS)
ما الذي يستعدّون له فعلياً؟
ليس الأمر «أكبر محاكمة في التاريخ»، كما تبالغ بعض وسائل الإعلام في تصويره، بل حملة منسّقة من التحقيقات وجلسات الاستماع والرقابة التشريعية، تمتد على عدة مسارات. (NPR, Forbes)
1. ملفات إبستين
أولوية معلنة وصريحة.
يخطط الديمقراطيون للتحقيق في تعاملات ترامب مع جيفري إبستين، وكيفية تعاطي وزارة العدل مع هذا الملف، ولا سيما بعد تقرير اللجنة القضائية الصادر الشهر الماضي (تشرين الأول/أكتوبر).
ففي ذلك التقرير، استند جيمي راسكين، كبير أعضاء الأقلية في اللجنة، إلى
«أدلة قدّمتها 11 امرأة»
تتعارض مع رواية ترامب التي تقول إن علاقته بإبستين انتهت قبل عام 2016.
ووصف راسكين رواية ترامب بأنها
«ليست كذلك تماماً».
2. الشركات والعقود
ستشمل التحقيقات الملفات التالية:
• المشاريع المالية لترامب: بما فيها منصة «تروث سوشيال» (Truth Social)، والعملات الرقمية، والمشاريع الخارجية التي يشارك فيها أبناؤه ومستثمرون أجانب.
• عقود إيلون ماسك مع الإدارة الأمريكية: بما فيها العقود التي مُنحت دون مناقصات تنافسية، ومشاريع الخوادم التابعة للبنتاغون.
• شركات تصنيع الأسلحة والدفاع: ولا سيما الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية.
3. آلية العمل: سلطة الاستدعاء الإلزامي (Subpoena)
السلطة الأساسية هنا هي الاستدعاء الإلزامي، أي صلاحية إجبار الأفراد والمؤسسات على المثول أمام الكونغرس، والإدلاء بشهاداتهم، وتسليم الوثائق المطلوبة.
وقد لخّص روبرت غارسيا، الرئيس المقبل للجنة الرقابة، الاستراتيجية بكلمتين:
«استعينوا بمحامين» (Lawyer up).
(NPR)
الحلقة القانونية — وهنا تكمن الأهمية
1. هل يستطيع الديمقراطيون محاكمة ترامب وأفراد عائلته قانونياً وهو لا يزال في منصبه؟
• الكونغرس ليس محكمة جنائية بحد ذاته. يتمثل دوره في إجراء التحقيقات، وبدء إجراءات العزل الدستوري (Impeachment)، وإحالة الملفات إلى وزارة العدل أو إلى محقق خاص.
الإجراءات القضائية المدنية والجنائية الفيدرالية:
لا توجد سابقة قضائية مستقرة لمحاكمة رئيس أمريكي أثناء تولّيه منصبه.
فوزارة العدل الأمريكية، استناداً إلى مذكرتها التاريخية الصادرة عام 1973 عن مكتب المستشار القانوني (OLC)، ترى أن الرئيس الذي لا يزال في منصبه لا يجوز تقديمه للمحاكمة الجنائية.
لكن المحاكم لم تحسم هذه المسألة بصورة نهائية حتى الآن.
وأي لائحة اتهام تُقدَّم حالياً ستواجه على الأرجح طعناً يستند إلى الحصانة الرئاسية، وقد تصل في نهاية المطاف إلى المحكمة العليا، ما سيشكّل سابقة تاريخية بكل معنى الكلمة.
المسار الأكثر ضماناً: ازدراء الكونغرس (Contempt of Congress).
إذا رفض ترامب، أو أحد أبنائه، أو جاريد كوشنر، أو ستيف ويتكوف الامتثال للاستدعاءات الصادرة عن الكونغرس، فإن الكونغرس يمتلك صلاحية إحالتهم مباشرة إلى الملاحقة القضائية.
ووفقاً لهذا التحليل، يبقى هذا المسار متاحاً حتى أثناء وجود ترامب في السلطة، ولا يتطلب موافقة أي جهة أخرى.
2. ما فائدة حق النقض (الفيتو) الذي يمتلكه ترامب؟
لا فائدة له في هذا السياق.
فالفيتو الرئاسي يقتصر على التشريعات والقوانين، وفقاً للمادة الأولى، القسم السابع من الدستور الأمريكي.
ولا يمتد إلى صلاحيات الكونغرس الرقابية أو سلطاته الدستورية في مساءلة المسؤولين، المنصوص عليها في المادة الأولى، القسمين الثاني والثالث.
وبالتالي، لا يستطيع ترامب استخدام الفيتو لمنع:
• جلسة استماع في الكونغرس.
• إصدار استدعاء إلزامي.
• إجراء تصويت على العزل الدستوري.
أما ما يستطيع فعله، فهو المماطلة في الإجراءات، وممارسة الضغط السياسي، والدخول في مساومات تشريعية.
فأي مشروع قانون كبير يطرحه الديمقراطيون سيواجه على الأرجح فيتو رئاسياً شبه محسوم، ولا سيما أن تأمين أغلبية من 60 صوتاً في مجلس الشيوخ سيكون أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا السبب، من غير المرجح تمرير تشريعات كبرى، ما سيدفع الديمقراطيين إلى تركيز جهودهم على التحقيقات.
3. العزل الدستوري (Impeachment)
• مجلس النواب: يتطلب توجيه اتهامات العزل أغلبية بسيطة، وهو ما يجعل هذه الخطوة سهلة نسبياً بالنسبة إلى الديمقراطيين.
• مجلس الشيوخ: تتطلب الإدانة 67 صوتاً، أي أغلبية الثلثين، ما يعني الحاجة إلى دعم 16 عضواً جمهورياً على الأقل.
وتاريخياً، شكّلت هذه العتبة عقبة مرتفعة للغاية، كما أظهرت إجراءات عزل بيل كلينتون ومحاكمة ترامب عام 2021.
أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فهو تصويت مجلس النواب على العزل، بما يوجّه رسالة سياسية قوية، مع احتمال فرض عقوبة الحرمان من تولّي مناصب عامة مستقبلاً عبر تصويت بالأغلبية البسيطة فقط.
الخلاصة الاستراتيجية
نجح الديمقراطيون فعلياً في تطويق السلطة التنفيذية خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة من ولاية ترامب، عبر مهمة مزدوجة:
أولاً: المحاسبة السياسية
وتشمل الملفات المالية، وإبستين، وإيلون ماسك، والمصالح والعلاقات المرتبطة بالشركات.
ثانياً: إعادة تثبيت سلطة الكونغرس في مواجهة البيت الأبيض. (The Guardian)
وقد بدأت الضغوط تتسرّب إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ دعا مسؤولون جمهوريون ترامب إلى تغيير مساره السياسي عقب الهزيمة الانتخابية. (Reuters)
لكن التطور الأهم يأتي بعد 20 كانون الثاني/يناير 2029.
فعندها، ستسقط حتى هذه الحواجز المتبقية، ويصبح المسار القضائي متاحاً بالكامل أمام المدّعين العامين، ولا سيما بعد حكم المحكمة العليا الصادر عام 2024، الذي أقرّ حصانة رئاسية جزئية لا تشمل «الأفعال العادية».
الميزان الحقيقي للقوى
نحن أمام تحقيقات قد تكون غير مسبوقة من حيث حجمها واتساعها، لكنها تبقى في نهاية المطاف أداة للرقابة والمساءلة البرلمانية، وليست أداة للسجن المباشر — ما لم تمتثل الإدارة للاستدعاءات الصادرة عن الكونغرس.

