ثالثاً | لماذا يُعدّ رفض بنك إسرائيل المركزي لهذه الخطة مهماً؟
إن رفض البنك المركزي للفكرة يحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة.
فهو يشير إلى أن المقترح ليس بالضرورة استراتيجية اقتصادية مدروسة ومستقرة، بل قد يكون محاولة سياسية للقول:
«نستطيع الصمود أمام العقوبات إذا أنشأنا باباً خلفياً رقمياً للنظام المالي».
لكن المصارف المركزية لا تنظر إلى هذه «الأبواب الخلفية» باعتبارها حلولاً سحرية.
فهي تخشى من:
ارتفاع معدلات التضخم.
هروب رؤوس الأموال إلى الخارج.
تراجع قيمة الشيكل الإسرائيلي.
فقدان السيطرة على حركة السيولة والتحويلات المالية.
إضعاف قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار المالي.
وهنا تكمن المفارقة: ما يقدّمه نتنياهو بوصفه مخرجاً من العزلة، قد يتحوّل إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار الاقتصادي!
رابعاً | لماذا يعاني الاقتصاد الإسرائيلي؟
المشكلة الاقتصادية الإسرائيلية لا ترتبط بحرب واحدة فقط، ولا بجولة عسكرية محددة.
المشكلة الأعمق هي أن نموذج الاحتلال نفسه أصبح أكثر كلفة بمرور الوقت.
يمكن لكيان قائم على الاحتلال أن يستولي على الأراضي، ويوسّع المستوطنات، ويسيطر على الحدود والموارد، ويفرض قوانينه وإجراءاته بالقوة لفترة من الزمن.
لكن الاحتلال ليس مجانياً!
فكل توسّع عسكري، وكل مستوطنة جديدة، وكل عملية قمع، وكل جولة حرب، تحمل معها تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية تتراكم مع مرور السنوات.
قد تبدو هذه التكاليف قابلة للاحتواء في البداية، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى عبء طويل الأمد.
فالاحتلال يراكم دائماً ديناً خفياً… وقد يأتي يوم تصبح فيه فاتورة استمراره أعلى من قدرة الاقتصاد على تحمّلها.
خامساً | كيف يستنزف الاحتلال والحروب الاقتصاد الإسرائيلي؟
لا تقتصر الخسائر الاقتصادية على جانب واحد، بل تتراكم عبر مستويات متعددة، يُعزّز بعضها بعضاً:
1. الإنفاق العسكري واستنزاف الموارد
الحروب باهظة التكلفة. فالصواريخ والغارات الجوية والعمليات البرية واستدعاء جنود الاحتياط والمعدات العسكرية وإعادة الإعمار، كلها تستهلك موارد مالية ضخمة.
وعندما تُخصّص الدولة جزءاً متزايداً من ميزانيتها للدفاع، تتراجع قدرتها على الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والتعليم والإسكان والنمو الاقتصادي الطبيعي.
2. التكلفة الاقتصادية للاحتلال
المستوطنات، والجدران الأمنية، والرقابة على الحدود، والانتشار العسكري، والنزاعات القانونية، والضغوط الدولية، وإدارة شؤون السكان الخاضعين للاحتلال… كلها تتطلب تمويلاً مستمراً.
وكلما طال أمد الاحتلال، ازدادت الأموال التي تحتاجها الدولة للحفاظ على منظومته.
3. التضخم وتراجع قيمة العملة
عندما تعتمد دولة على استيراد الوقود والغذاء والتكنولوجيا والمعدات العسكرية، بالتزامن مع تراجع قيمة عملتها، ترتفع الأسعار.
ويتعرّض الشيكل الإسرائيلي للضغوط عندما يخشى المستثمرون من الحروب أو العقوبات أو الديون أو عدم الاستقرار السياسي.
ومع انخفاض قيمة العملة، تصبح الواردات أكثر تكلفة، ما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية.
4. ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض
الأسواق المالية لا تعاقب الدول لأنها لا تحبها؛ بل لأنها تخشى المخاطر وعدم اليقين.
فعندما يتوقع المستثمرون احتمال تعرّض إسرائيل لعقوبات أو ملاحقات قضائية أو حروب إضافية أو فوضى سياسية، فإنهم يطالبون بعوائد وفوائد أعلى مقابل إقراضها الأموال.
والنتيجة: تدفع الحكومة المزيد من الأموال لخدمة ديونها، بدلاً من توجيهها إلى الاقتصاد والمجتمع.
5. خوف المستثمرين وهروب الاستثمارات
الشركات لا تنظر إلى أرباح اليوم فقط، بل تحسب أيضاً احتمالات الربح والخسارة خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة.
وعندما تصبح المنطقة غير مستقرة، ويتراجع الشيكل، وتتزايد احتمالات العقوبات، وتتدخل المحاكم الدولية، يبدأ المستثمرون بإعادة حساباتهم.
فتتباطأ الاستثمارات، وتصبح الشركات الناشئة والمصانع وشركات التكنولوجيا أكثر حذراً في اتخاذ قرارات التوسع والتمويل.
