ما كشفه تحقيق مجلة “فانيتي فير” ليس مجرد خبر دبلوماسي عابر، بل زلزالٌ يهزّ كذبة “الشراكة الأمريكية-الخليجية” ويفضح أن ما يجري ليس تعاوناً سياسياً فحسب، بل شراءٌ للنفوذ، وتسوياتٌ مُشترى، وأموالٌ سعودية-إماراتية تُدار عبر وسطاء غربيين في خدمة المشروع الأمريكي-الإسرائيلي.
بحسب التحقيق، لم يكتفِ كلٌّ من محمد بن زايد و محمد بن سلمان بدعم الإدارة الأمريكية سياسياً، بل رشّوا جاريد كوشنر بمليارات الدولارات مقابل تمرير أجندتهما عبر البيت الأبيض، فيما كان نتنياهو جزءاً من اللعبة المالية السرية، يشارك في ترتيب التحويلات ويتحكم في مسار جزء من المال.
الحساب “ألفا”: أكثر من 750 مليون دولار من مصادر سعودية وإماراتية منذ عام 2017، مُودَعة في بنك أبوظبي الأول، الذي كان رئيس مجلس إدارته آنذاك طحنون بن زايد، شقيق محمد بن زايد. المعنى واضح: المال لم يكن هبةً، بل سلاحُ ضغطٍ ونفوذ.
الحساب “بيتا”: تحويلات بلغت نحو مليار دولار نحو إسرائيل عبر أذربيجان، مع مشاركة نتنياهو في الدفع نحو إيداع أموال في بنك إسرائيل، قبل أن يُرحَّل جزء من المال لاحقاً إلى حسابات في قبرص. وهذا يكشف أن المشروع لم يعد يدور حول “حماية الأمن الإقليمي” فحسب، بل حول إعادة تشكيل المنطقة بالمال والصفقات.
الصندوق السري: كانت المليارات السعودية والإماراتية مُخصصة لتمويل “صندوق سري” لخدمة أهداف البيت الأبيض آنذاك، بما في ذلك مشاريع داخلية تساعد ترامب على الاحتفاظ بسلطته الرئاسية.
هنا تتضح الحقيقة: السعودية والإمارات لم تكونا مجرد حليفتين تقليديتين، بل شريكتان في هندسة القرار الأمريكي وتمويل مشروعه في المنطقة.
خيط الاستخبارات: يستند التقرير أيضاً إلى اختراق الاستخبارات العسكرية الهولندية هاتف كوشنر عام 2018، واستغلال ثغرة أمنية في هاتفه iPhone X لمراقبة شاشته والاطلاع على ملفات حساسة.
الرسائل والاتصالات: واشترط نتنياهو، وفقاً للتحقيق، أن يُبلِغه كوشنر قبل تنفيذ أي تحويلات من الحساب، وكانت الرسائل تمر عبر السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.
الحقيقة التي لا يريدون لها أن تظهر: الخليج لم يعد مجرد تابع في الخلفيات؛ لقد صار جزءاً من ماكينة صنع القرار الأمريكي-الإسرائيلي. أموال الرياض و أبوظبي لم تعد تُنفق على أمنٍ هشّ أو علاقات عامة فحسب، بل تُستعمل لشراء صمتٍ سياسي، ودفع ملفات فلسطين إلى التخريب، وتسهيل تطبيعٍ رخيص، وترسيخ هيمنة إسرائيلية في المنطقة.
وبالنسبة لنا، تؤكد هذه الفضيحة أن ما يجري ليس “صعوداً خليجياً” ولا “شراكة استراتيجية”، بل خيانة منظمة:
• خيانة لفلسطين.
• خيانة لسوريا ولبنان والعراق واليمن.
• خيانة لروح المقاومة.
• خيانة للمصالح العربية والإسلامية.
بينما تُدفع الأموال باسم “التسوية”، تُفرَّغ القضية الفلسطينية من مضمونها. وبينما يتحدثون بلغة “الاختيار” والشراكة، تُباع المنطقة قِطاعاً قِطاعاً. وبينما يُمدَح “النموذج الجديد”، تُدفن قضية اللاجئين، وتُخرب المقاومة، وتُربَك الجبهة الداخلية، وتُجهَّز الأرض لمشاريع إقليمية خاضعة لواشنطن وتل أبيب.
لذلك نقول بصوتٍ عالٍ: المشروع الأمريكي-الإسرائيلي لا يُبنى إلا على عمالةٍ داخلية، وعلى ذممٍ خليجيةٍ باعَت كرامتها بالمال.
بن سلمان و بن زايد ليسا مجرد حاكمين؛ بل ركنا في آلة القمع والاحتراب الإقليمي، ووجهان من وجوه التبعية الجديدة. وكل من يظن أن التنازل سيجلب الأمن، فهو لا يدرك أن العدو لا يمنح الأمن إلا لمن باعَ نفسه.

