في 15 سبتمبر 2026، وقف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في برلين، مخاطباً المستثمرين الألمان بلغة مختلفة عن الدبلوماسية المعتادة.

لم يكن يتحدث عن "التعاون" و"الشراكة" فحسب، بل فتح خزائن العراق على مصراعيها: إعفاءات ضريبية والجمركية لعشر سنوات، مدن صناعية جاهزة، أراضٍ تملك، تأشيرات فورية، وإقامة خلال سبعة أيام!

وفي المقابل، طلب التكنولوجيا والخبرة الألمانية، ووعد بتصدير النفط الخام إلى أوروبا عبر مسارات جديدة.

لكن تحت سطح هذه العروض السخية، تختبئ ثغرات خطيرة، وغموض قانوني، وتاريخ مظلم لشريك استراتيجي هو شركة سيمنز.

العروض المعلنة.. والواقع القانوني

الزيدي قال صراحة إن "الأراضي الصناعية تملّك" للمستثمرين الألمان، في مخالفة صريحة لقانون الاستثمار العراقي رقم 13 لسنة 2006 المعدل؛ إذ تنص المادة (15/ثانياً) بوضوح على

أن تمليك الأراضي الصناعية العائدة للدولة والقطاع العام مقتصر على المستثمر العراقي فقط، بينما يُحصر حق الأجنبي في "عقد شراكة في التمويل أو الإدارة".

ورغم هذا الخرق الواضح للقانون، قد يكمن المخرج الوحيد في طبيعة المشاريع داخل "المدن الصناعية"، التي تخضع أحياناً لأنظمة وتعليمات خاصة قد تتيح استثناءات في تمليك الأراضي؛ وهو ما قد يفسر طرح الزيدي، دون أن ينفي حقيقة تجاوزه للنصوص العامة للقانون.

الشراكة

الزيدي قال صراحة:

"الشريك هو الذي ينتج في العراق. سواء لوحده.. يشارك شريك محلي.. وأنا يمكنني أن أهيئ لكم حزمة من رجال الأعمال أو مجلس الأعمال".

رئيس الوزراء نفسه يعرض اختيار الشريك: الزيدي يقول: "أنا يمكنني أن أهيئ لكم حزمة من رجال الأعمال أو مجلس الأعمال". أي أن رئيس الوزراء هو من سيختار الشريك المحلي، وليس المستثمر الألماني بنفسه.

هذا يعني أن الشريك المحلي ليس اختياراً حراً: الزيدي هو من يقدم له "قائمة" من رجال الأعمال أو مجلس الأعمال.

لماذا هذا خطير؟

• الشريك المحلي يختاره رئيس الوزراء: هذا يعني أن الشريك سيكون موالياً سياسياً، وليس بالضرورة الكفاءة أو الأفضل.

• لا توجد آلية شفافة: الزيدي لم يذكر كيف سيُختار "رجال الأعمال" هؤلاء، ولا ما هي معايير الاختيار.

🪙إعفاءات الكمرك.. أداة تحكم سياسي

الجزء الأكثر إثارة في خطاب الزيدي هو ربط الإعفاءات الجمركية بـ "نسبة تغطية الإنتاج المحلي لحاجة العراق": 20% إنتاج تعني 20% إعفاء، 100% تعني 100% إعفاء. هذه الآلية تبدو "حافزاً" اقتصادياً، لكنها في الواقع أداة تحكم سياسي خطيرة. من يحدد "نسبة التغطية"؟ الحكومة.

أي أن كل إعفاء جمركي يمر عبر تفاوض سياسي، وليس عبر معايير موضوعية. وهذا بالضبط هو الباب الذي يدخل منه الفساد: من يدفع أكثر يحصل على إعفاء أكبر.

🪪التأشيرة الفورية.. تنازل بلا مقابل

الزيدي أعلن إلغاء التأشيرة عن المواطنين الألمان، مع إقامة فورية خلال 7 أيام. هذا تنازل أحادي الجانب، لأن ألمانيا لم تقدم مقابلاً مماثلاً للعراقيين.

والسؤال: لماذا يمنح الزيدي هذا الامتياز دون أي مقابل تفاوضي؟ الجواب ليس اقتصادياً، بل سياسي: هو يريد إظهار "الانفتاح" و"القوة" للجمهور العراقي، بينما يمنح الألمان ميزة عملية في السوق العراقي.

سيمنز.. الحل الذي هو جزء من المشكلة

عند هذه النقطة، لا يمكن تجاهل التاريخ المظلم لشركة سيمنز، الشريك الذي يتحدث عنه الزيدي بحماس.

في 2008، اعترفت سيمنز بأنها دفعت ما لا يقل عن 1.4 مليار دولار كرشاوى لمسؤولين حكوميين في دول مختلفة.

التحقيقات كشفت عن 330 مشروعاً وأكثر من 4200 دفعة غير قانونية، وكلفت الشركة 2.9 مليار يورو غرامات وتعويضات.

في الكويت، حاول مديرون في سيمنز رشوة مسؤولي وزارة الكهرباء بـ1.8 مليون دولار للحصول على عقود.

وفي اليونان، وثقت لجنة برلمانية أن العقود المبالغ فيها كلفت الدولة أكثر من 2 مليار يورو.

العراقيون يرون في سيمنز "الحل" لأزمة الكهرباء. لكن التاريخ يقول إن سيمنز كانت جزءاً من المشكلة في كل بلد دخلته. وليس مصادفة أن نفس الشركة التي وقعت اتفاقية "المرحلة الرابعة" مع وزارة الكهرباء العراقية في 2026، هي الشركة التي دفعت مليارات الرشاوى في العقود السابقة.

الخلاصة

خطاب الزيدي في برلين ليس عرضاً اقتصادياً جاداً.

إنه خطاب سياسي مصمم للاستهلاك المحلي، يبيع للجمهور "السيادة والقوة"، بينما يترك للشركات الأجنبية أبواباً مفتوحة للتأويل.

قد لا يكون هناك تناقض قانوني حقيقي بين "التمليك" و"الشراكة"، لكن الغموض المتعمد في العرض هو المشكلة. ففي غياب مناقصة شفافة، ورقابة مسبقة، ومساءلة فعلية، يصبح "الشريك المحلي" بوابة للفساد، و"المدن الصناعية" وسيلة لتمرير عقود باهظة، و"سيمنز" اسماً يتكرر في كل قصة فساد.

العراقيون الذين يرون في سيمنز "العلاج" قد يجدون أنفسهم أمام نفس الدواء الذي جربوه مع جنرال إلكتريك: وعود كبيرة، وعقود باهظة، وكهرباء لا تزال منهارة.