السياسة فوق السيادة: المعضلة المصطنعة للتأشيرة الدبلوماسية الإيرانية
إنّ الأزمة المستمرة حول انتهاء صلاحية تأشيرة السفير الإيراني المعيّن لدى بيروت، محمد رضا شيباني، تكشف عن خلل مؤسسي عميق في الدبلوماسية اللبنانية. فبدلاً من إدارة العلاقات الخارجية باستقلالية استراتيجية ووضوح قانوني، سمحت وزارة الخارجية، برئاسة وزير الخارجية يوسف رجي، بتحويل مسألة دبلوماسية روتينية إلى أزمة سياسية داخلية واسعة النطاق.
وقد اتسمت ولاية الوزير رجي بانشغال أحادي القضية. ففي عهده، ركزت الوزارة بصورة شبه حصرية على استهداف الدبلوماسية الإيرانية، متخلية عن الهدف الأساسي للعمل الدبلوماسي اللبناني: الحفاظ على علاقات متوازنة، دولةً لدولة، مع القوى الإقليمية، مع حماية الاستقرار الداخلي. ومن خلال تحويل وظيفة دبلوماسية إلى مسرح علني للمواجهة، تخلّت الوزارة عن دورها كجهة محايدة ومهنية في صياغة السياسة الخارجية.
وقد أتاح هذا الفشل المؤسسي أرضية خصبة للسياسة الانتهازية. فقد استغل بعض الشخصيات السياسية المسيحية، وفي مقدمتهم نديم الجميل ونائب «القوات اللبنانية» بيار بو عاصي، وجود شيباني لتأجيج التوترات الطائفية.
فبدلاً من التعامل مع انتهاء صلاحية التأشيرة كسألة إدارية وتقنية، يجري تقديمها باعتبارها تهديداً وجودياً لـ «سلطة الدولة»، في خطاب مسيّس يهدف إلى تهميش الطائفة الشيعية وتمثيلها السياسي. إن اختزال مسألة دبلوماسية إلى مظلومية طائفية يكشف، بوضوح، عن توجه نحو إثارة الانقسام بدلاً من احترام القانون الدولي.
ومن منظور القانون الدولي العام، فإن الواقع القانوني واضح:
المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961): تتمتع الدولة المستقبِلة بالحق السيادي في إعلان أي دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه في أي وقت، من دون أن تكون ملزمة بتبرير قرارها.
المادة 11 ومبدأ المعاملة بالمثل: تحتفظ الدولة المضيفة بسلطة تحديد حجم البعثات الدبلوماسية وتنظيم مسألة منح تأشيرات الدخول وتمديدها.
وعندما ترفض الدولة المضيفة قبول أوراق اعتماد دبلوماسي أو تمديد تأشيرته، فإن البروتوكول الدولي المعتاد يقضي بأن تستدعي الدولة الموفِدة مبعوثها لتجنب الوصول إلى طريق مسدود، مع إمكانية استمرار إدارة البعثة بواسطة قائم بالأعمال.
أما الحل العملي لهذا الجمود، كما يطرحه المحلل السياسي وسيم بزي، فيكمن في تسوية دبلوماسية براغماتية. وبدلاً من الاستعراض السياسي، يتعين على وزارة الخارجية تنفيذ استراتيجية خروج هادئة ومنظمة:
توفير فترة سماح: السماح للسفير شيباني بفترة انتقالية لإنهاء مهامه الإدارية ومغادرة بيروت من دون تصعيد علني.
إعادة التوازن إلى عمل البعثة: السماح للسفارة الإيرانية بمواصلة عملها مؤقتاً تحت إدارة قائم بالأعمال، مثل توفيق صمدي خوشخو.
اتباع البروتوكول الرسمي لأوراق الاعتماد: مطالبة طهران بتقديم أوراق اعتماد سفير بديل رسمياً، عبر القنوات المعتادة وغير العلنية، بما يضمن استمرار التعامل بين الدولتين بعيداً عن الاستعراض السياسي.
إن القانون الدولي يوفّر إجراءات واضحة للتعامل مع حالات النزاع حول الوجود الدبلوماسي. ولا يمكن للسياسة الخارجية اللبنانية أن تبقى رهينة للاستعراضات الطائفية أو العجز الوزاري؛ بل يجب أن تعود إلى الواقعية المؤسسية والالتزام بالبروتوكول الدبلوماسي.