كشفت قناة «كان» العبرية عن الرقم الذي يستحق التوقف عنده: نحو 60% من أبناء الجالية اليهودية صوّتوا لصالح المرشح الديمقراطي المناهض لإسرائيل، عبد السيد (Abdul El-Sayed).

هذه ليست مجرد موجة تصويت احتجاجية عابرة، بل أغلبية انتخابية واضحة. وبالنسبة إلى كل من لا يزال يتعامل مع اليهود الأميركيين باعتبارهم كتلة واحدة موالية لإسرائيل، فإن هذه النتيجة تضع تلك الصورة النمطية موضع شك.

والأسباب واضحة:

أولاً: الكتلة اليهودية الموحّدة لم تعد موجودة

بعد السابع من أكتوبر وتدمير رفح، شهدت الجالية اليهودية الأميركية انقساماً عميقاً. وأظهرت استطلاعات عام 2024 انقساماً يكاد يكون مناصفة بين الناخبين اليهود، في أحد أبرز التحولات داخل المجتمع اليهودي الأميركي منذ جيل كامل.

فالشباب اليهود، والتيارات اليهودية الإصلاحية، والتقدميون في المدن الكبرى، لم يعودوا يعتبرون تأييد إسرائيل الموقف السياسي الوحيد المقبول.

وميشيغان، بطبيعتها الحضرية وتوجهاتها التقدمية، أكثر ميلاً إلى هذه التحولات من المتوسط العام للجالية اليهودية في الولايات المتحدة. ولذلك،

ثانياً: المصالح الطبقية أولاً… وإسرائيل ثانياً

يخوض عبد السيد معركته السياسية على أساس برنامج اقتصادي واجتماعي يتضمن توفير الرعاية الصحية الشاملة للجميع، وفرض الضرائب على المليارديرات، والحد من هيمنة الشركات الكبرى على القرار السياسي.

فالمواطن اليهودي من الطبقة الوسطى في منطقة ديترويت يصوّت وفق المصالح الاقتصادية نفسها التي تحكم خيارات جيرانه ومحيطه الاجتماعي.

بعبارة أبسط: لا تستطيع الشعارات الصهيونية أن تدفع فاتورة الطعام أو تخفّض تكاليف المعيشة.

ثالثاً: تهمة «معاداة اليهود» انقلبت على أصحابها

بحسب وكالة الأنباء اليهودية (JTA)، أمضى المرشح الجمهوري مايك روجرز جزءاً كبيراً من حملته الانتخابية في اتهام عبد السيد بمعاداة اليهود.

لكن المعادلة التي حاول فرضها، ومفادها أن انتقاد الحرب الإسرائيلية يعني كراهية اليهود، هي تحديداً ما ترفضه الأجيال اليهودية الشابة.

وهذا ما ساهم في توحيد القاعدة الانتخابية التي احتاج إليها عبد السيد.

رابعاً: مناهضة الصهيونية ليست معاداة للسامية… والولايات المتحدة هي العدو هنا

وهذه هي الحقيقة التي لا يريد اللوبي المؤيد لإسرائيل الاعتراف بها: الاحتلال الإسرائيلي يستمر بالمال الأميركي والغطاء السياسي والعسكري الذي توفره واشنطن.

عبد السيد، الذي يدعو إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل ويصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، يوجّه انتقاده إلى الجهة الراعية للاحتلال، لا إلى أداتها التنفيذية فحسب.

ومن هنا، يستطيع الناخب اليهودي الذي تجاوز معادلة

«تأييد إسرائيل يعني تأييد أميركا»

أن يصوّت لعبد السيد من دون أي تناقض مع هويته.

واللافت أن المؤسسة السياسية الموالية لإسرائيل لم تدعمه أصلاً.

فقد ضخّت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» (AIPAC) نحو 30 مليون دولار لدعم المرشحة المعتدلة هايلي ستيفنز، ومع ذلك نجح عبد السيد في كسب القاعدة الشعبية.

وهذا يعني أن جزءاً من القاعدة الانتخابية بدأ يتحرر من قبضة اللوبي ونفوذه التقليدي.

وقد تناولت صحيفة «الغارديان»، في تقرير بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، الانقسام داخل الحزب الديمقراطي ودور أموال «أيباك» في هذه المواجهة.

الخلاصة:

حين تحوّل حليفك إلى آلة تتحكم بالتصويت السياسي في بلد بأكمله، فإنك تخاطر بخسارة الطرفين معاً.

الولايات المتحدة هي مهندس منظومة الاحتلال وراعيها الأساسي، لكن التحول الأهم اليوم هو أن شريحة من اليهود الأميركيين بدأت تصوّت انطلاقاً من مصالحها الطبقية والاقتصادية، لا وفق حسابات اللوبي المؤيد لإسرائيل.