ما يجري في جنوب لبنان اليوم ليس مجرد "سلسلة خروقات متفرقة"، بل هو تطبيق ميداني منظم لاستراتيجية العدو القائمة على فرض الاستسلام بالقوة النارية، بينما تُسقِط القراءة السياسية الواعية كل أوهام "التسوية المجانية" التي يحاول البعض تسويقها داخل لبنان.
الميدان الجنوبي: تكتيك الأرض المهدومة لتثبيت واقع جديد
تستغل قوات الاحتلال الصهيوني الصمت والغطاء الإجرائي من السلطة اللبنانية الرسمية لتصعيد اعتداءاتها الهادفة إلى إخلاء المنطقة الحدودية وتدمير بنيتها:
النسف والتدمير الممنهج (20 عملية تفجير + إحراق منازل): يركز العدو على محو الكتلة السكنية في بلدات الخط الأمامي؛ حيث توغلت قواته في ميس الجبل وتفخيخ ما تبقى من المنازل لنسفها، بالتوازي مع تفجيرات مكثفة في المنصوري (4)، والطيبة (3)، وبنت جبيل (2)، إضافة إلى إحراق المنازل عمداً في بيت ياحون وكونين.
⚡ التوغل الميداني والقصف الساتري (14 قصف + 5 تحركات): تقدمت الدبابات والجرافات باتجاه أطراف برعشيت وشمع وبني حيان تحت غطاء من القصف المدفعي الذي طال المنصوري (4 ضربات)، وميس الجبل (3)، ومرتفعات علي الطاهر (3)، وحولا، والسلوقي، والنبطية الفوقا.
الترهيب الجوي والرشاشات (14 تمشيط + 12 عدوان جوي): استمر الاستهداف المباشر للمواطنين والمدنيين عبر 5 غارات جوية على وادي صربين وعلي الطاهر، و7 اعتداءات للمحلّقات (شملت القاء مواد متفجرة وقنابل على رُعاة الماشية في صربين وحداثا)، بالتزامن مع تمشيط مكثف بالرشاشات الثقيلة في حداثا ومجدل زون وعيتا الجبل.
الربط السياسي: العقيدة الصهيونية تُسقط الرهانات الداخلية
هذا التصعيد الميداني الشامل يعكس تماماً العقيدة السياسية التي أعلنها بنيامين نتنياهو بوضوح قاطع:
«ما دمت رئيسًا للحكومة، فلن تقوم دولة فلسطينية... لا في غزة، ولا في الضفة. نقطة».
هذا التعنت الصهيوني يثبت أن العدو لا يفهم سوى لغة موازين القوى، ويسقط رهان بعض الأطراف اللبنانية على تقديم التنازلات المجانية.
وهنا يتقاطع المشهد الميداني مع القراءة السياسية الداخلية والإقليمية:
انكشاف الطرح الداخلي: كشف وليد جنبلاط حجم التخبيص الداخلي، معتبراً أن
«التنظير للهزيمة والاستسلام تحت شعار حصرية السلاح أخذ يستشري عبر حديثي النعمة»
، ومندداً بتبني جهات رسمية لورقة إطار تفتقر لأي سند قانوني وتتجاهل اتفاقية الهدنة.
اعتراف أميركي بموازين القوى: في المقابل، جاء تصريح المبعوث الأميركي توم باراك ليعكس واقعية الميدان؛ إذ أقرّ بأن أي تسوية جدية لا يمكن أن تتجاوز حزب الله وإيران، وأن محاولة جمع الأطراف اللبنانية بمعزل عنهما هي تفاوض وهمي ينفصل تماماً عن موازين القوى الفعلية التي يرسمها الميدان في الجنوب.

