كشفت الأيام القليلة الماضية عن أوضح صورة حتى الآن للطريقة التي تنسّق بها واشنطن وتل أبيب المرحلة المقبلة من حملتهما العسكرية ضد إيران، ولماذا يدفع كل طرف باتجاه توجيه ضربة جديدة، ولكن لأسباب مختلفة تماماً.
الحسابات الأميركية | السياسة أولاً… ثم تبدأ النيران!
بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أبلغت الولايات المتحدة عدداً من الدول الخليجية العربية، بعيداً عن الأضواء، بضرورة الاستعداد لـ
«عملية عسكرية قصيرة ومكثفة»
ضد إيران، يُتوقع تنفيذها بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في 3 تشرين الثاني.
الحسابات هنا واضحة وصريحة: الحرب تشكّل عبئاً سياسياً داخلياً، ولذلك يُفضّل تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات، لتصبح بمثابة «مكافأة» تأتي بعد انتهاء التصويت.
كرّر ترامب وصف الحرب بأنها
«شارفت على الانتهاء»
، مدعياً أن العمليات السابقة دمّرت بالفعل قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم. لكنه في الوقت نفسه لوّح علناً بشن
«جولة أخرى»
من الضربات، وأبقى الحصار البحري الأميركي قائماً.
وهذا الحصار يخنق بالفعل عائدات إيران النفطية، ويشكّل بحد ذاته سلاحاً اقتصادياً.
بل إن واشنطن منعت حتى الآن بعض الطلبات الإسرائيلية لتوسيع نطاق الأهداف، ما يعني أنها تتحكم في تحديد ما يُضرب ومتى.
هذا التقييد ليس نزعة سلمية، بل ورقة ضغط ونفوذ تستخدمها واشنطن للتحكم في مسار الحرب.
الحسابات الإسرائيلية | لا وقف لإطلاق النار قبل انهيار النظام الإيراني!
أما حسابات نتنياهو، فهي مختلفة.
فقد وجّه أجهزة الاستخبارات والجيش الإسرائيلي للعمل باتجاه إسقاط النظام في طهران، وحذّر علناً من أن إيران، رغم تعرضها لضربات قاسية،
«لا تزال قادرة على توجيه لسعة أخيرة».
بمعنى آخر، يريد نتنياهو تحطيم القوة الإيرانية، لا مجرد تعليق المواجهة معها.
ووفقاً لهيئة البث الإسرائيلية «كان»، طلبت إسرائيل رسمياً موافقة الولايات المتحدة على استهداف منشآت الطاقة الإيرانية التي جرى استثناؤها عمداً من الضربات حتى الآن، وتشمل:
مصافي النفط.
مجمعات البتروكيماويات في منطقة عسلويه.
منشآت الكهرباء والبنية التحتية للطاقة.
وترى مصادر إسرائيلية أن توجيه ضربة قاسية إضافية إلى قطاع الطاقة قد يدفع الاقتصاد الإيراني إلى «حافة الانهيار»، ويُجبر طهران على تقديم تنازلات.
إسرائيل لا تطلب الإذن احتراماً لواشنطن، بل لأنها تدرك أن الولايات المتحدة تمسك بقرار التصعيد، وتريد من الأميركيين استخدام هذه القوة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بخصمها.
لماذا يُعدّ هذا التوقيت بالغ الخطورة؟
تتعامل واشنطن وتل أبيب مع المخاطر نفسها، ولكن من زاويتين مختلفتين:
▪️ أمن الملاحة في مضيق هرمز.
▪️ أسعار النفط العالمية.
▪️ احتمال الرد الإيراني على دول الخليج والمصالح الأميركية والإسرائيلية فيها.
ولهذا جاءت التحذيرات الأميركية للدول العربية.
لكن المفارقة اللافتة تكمن في التناقض داخل الخطاب الإسرائيلي نفسه:
فشنّ حرب أميركية «قصيرة ومكثفة» بعد انتهاء الانتخابات الأميركية يبدو مقبولاً بالنسبة إلى تل أبيب، بينما تشتكي إسرائيل في الوقت نفسه من تأثير حساباتها الانتخابية الداخلية على توقيت عملياتها العسكرية.
كلا الحليفين يعطي الأولوية لحساباته السياسية الداخلية، ثم تأتي إيران في المرتبة الثانية.
وهذه الفجوة تحديداً هي التي تجعل الحروب تتجاوز سريعاً الوصف الذي تبدأ به: «عملية قصيرة».
آخر تطورات المشهد:
القرار في البيت الأبيض: الموافقة على الضربات الإسرائيلية ضد منشآت الطاقة ستوسّع قائمة الأهداف وترفع الكلفة الاقتصادية الفورية على طهران. أما حجب الموافقة، فقد يمنح النظام الإيراني فرصة لاستعادة عائداته بينما تستمر المفاوضات.
الخطط العسكرية جاهزة: أعدّ المخططون الأميركيون والإسرائيليون بالفعل خيارات تفصيلية لضرب منشآت الطاقة والمرافق النووية ومراكز إنتاج الصواريخ والمسيّرات، مع وضعها ضمن الخيارات القابلة للتنفيذ فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي.
موقف ترامب: يقول الرئيس الأميركي إن الولايات المتحدة قد تشن جولة إضافية من الضربات، وإن على أميركا وإسرائيل «إنهاء المهمة». وفي الوقت نفسه، يبدي استعداداً للاستماع إلى إيران بشأن تخفيف العقوبات، لكنه يعتبر الخط الأحمر المتعلق بالبرنامج النووي غير قابل للتفاوض.
الحصار البحري مستمر: لا يزال الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية قائماً، وسط توقعات ببقاء دول الخليج في حالة تأهب مرتفعة طوال أسبوع الانتخابات.
الخلاصة | الأيام العشرة المقبلة ليست تهدئة… بل مرحلة انتظار قبل التصعيد!
الأيام العشرة المقبلة تبدو مرحلة ترقّب وإعادة تموضع، لا مرحلة خفض حقيقي للتصعيد.
الجميع يستعد.
أما إيران، فإن خيارها الحقيقي الوحيد في هذه المرحلة، وفق هذه القراءة، هو جعل كلفة الحرب واضحة وملموسة بالنسبة إلى خصومها.
والتاريخ يشير إلى أن هذا بالضبط ما قد يحدث لاحقاً.

