الانسحاب من العراق ليس أميركياً فقط.

في 29 أيلول/سبتمبر، أكدت إيطاليا أن آخر جنودها غادروا العراق، منهيةً 12 عاماً من الانتشار العسكري الذي بدأ مع الحملة ضد تنظيم داعش عام 2014. وجاءت الخطوة قبيل مهلة 30 أيلول/سبتمبر المتفق عليها مع بغداد لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وكانت عملية الانسحاب قد بدأت فعلياً منذ أشهر:

إيطاليا سحبت معظم قواتها بحلول آذار/مارس 2026.

حلف الناتو نقل عناصره من بغداد في آذار/مارس 2026، وحوّل المهمة الاستشارية إلى نابولي.

ألمانيا أكدت في

11 أيلول/سبتمبر أن المهمة تنتهي بطلب من الحكومة العراقية.

والولايات المتحدة تنسحب ضمن الإطار نفسه.

لذلك، فالمسألة ليست مجرد أن أوروبا تلحق بواشنطن إلى خارج العراق، بل هي تفكيك الهيكل العسكري للتحالف نفسه.

لماذا الآن؟

السبب الرئيسي هو أن بغداد طلبت إنهاء المهمة العسكرية الأجنبية، وتقول إن القوات العراقية باتت مستعدة لتحمل مسؤولية أكبر.

ويعود الإطار السياسي لهذا الانسحاب إلى أيلول/سبتمبر 2024، عندما توصلت واشنطن وبغداد إلى خطة انتقالية لإنهاء مهمة التحالف.

هل يرتبط ذلك باستعداد أوروبا لحرب مع روسيا؟

من الواضح أن أوروبا تعيد توجيه اهتمامها العسكري نحو قارتها.

فالناتو بات يمتلك تسع مجموعات قتالية متعددة الجنسيات على جناحه الشرقي، مقارنة بأربع فقط قبل الحرب الروسية الواسعة في أوكرانيا، فيما ترفع الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي وتزيد إنتاج الذخائر وتعزز قدراتها في الدفاع الجوي.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن القوات الأوروبية تغادر العراق تحديداً من أجل الاستعداد لحرب مع روسيا.

الاتجاهان يحدثان في الوقت نفسه، لكن السبب المباشر للانسحاب من العراق يبقى طلب بغداد وإنهاء مهمة التحالف.

أما نتائج الانسحاب على العراق فهي كبيرة.

فالانسحاب يعزز السيادة العراقية بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأجنبي المكثف.

تنظيم داعش أضعف بكثير مما كان عليه في 2014، لكنه لم يختفِ.

والتحذير التاريخي واضح: القوات الأميركية غادرت العراق في 2011، وبعد ثلاث سنوات فقط سيطر داعش على الموصل.

هذا لا يعني أن التاريخ سيكرر نفسه — فالقوات العراقية اليوم أقوى — لكن الفراغات الأمنية نادراً ما تبقى فارغة.

كما أن النفوذ الخارجي لن يختفي بمجرد رحيل الجنود:

واشنطن ستحتفظ بنفوذ مالي ودبلوماسي واستخباري مهم.

إيران ستبقي على علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية العميقة.

تركيا ستظل حاضرة بقوة في شمال العراق.

وأوروبا ستواصل التعاون الدبلوماسي والاستشاري.

لذلك، فإن الأول من تشرين الأول/أكتوبر لا يعني اختفاء النفوذ الخارجي من العراق.

بل يعني شيئاً أهم:

المرحلة التي كان فيها النفوذ الغربي في العراق مدعوماً بوجود عسكري غربي دائم تقترب من نهايتها.

وبالنسبة لبغداد، فإن ذلك يمثل في آنٍ واحد مكسباً في السيادة واختباراً جدياً لقدرة الدولة العراقية على ملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب.