لم يعد الجدل حول دوس العلم الأميركي في بغداد متعلقاً بقطعة قماش. القضية باتت تتحول إلى اختبار سياسي جدي لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وللحشد الشعبي، وللدولة العراقية نفسها.
في 4 أكتوبر، أعلنت السلطات العراقية توقيف أشخاص شاركوا في دهس العلم الأميركي والسير فوقه خلال فعاليات «يوم السيادة»، وذلك بأوامر مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة. وبررت الحكومة الخطوة بالقول إن العراق ملتزم قانونياً ودبلوماسياً باحترام رموز الدول الصديقة.
لكن سياسياً، القضية شديدة الانفجار.
هذه الاحتفالات أُقيمت أساساً بمناسبة انتهاء مهمة التحالف بقيادة الولايات المتحدة. وكثير من الأشخاص الذين باتوا اليوم موضع تحقيق ينتمون إلى بيئة سياسية واجتماعية أمضت سنوات في مواجهة ما كانت تعتبره احتلالاً أجنبياً. لذلك فإن اعتقالهم مباشرة بعد احتفال مخصص للسيادة العراقية يعطي، بالنسبة إلى كثير من العراقيين، انطباعاً بأن العلم الأميركي يحظى بحماية أكبر من حرية التعبير السياسي للعراقيين أنفسهم.
والغضب لم يعد مجرد احتمال. فقد سُجلت بالفعل احتجاجات في البصرة تطالب بالإفراج عن الموقوفين، تخللها إحراق أعلام أميركية وإسرائيلية وحتى صور لرئيس الوزراء.
وهناك أيضاً نقطة قانونية مهمة لا ينبغي تحريفها.
الزيدي لم يخترع ببساطة عقوبة جديدة بالسجن لعامين. فالمادة 227 من قانون العقوبات العراقي تجرّم، في ظروف معينة، الإساءة العلنية إلى دولة أجنبية أو علمها، وتنص على الحبس لمدة قد تصل إلى سنتين أو فرض غرامة. كما يشترط القانون إذناً خطياً من وزير العدل لتحريك الدعوى بموجب هذه المادة.
لكن وجود النص القانوني لا ينهي النقاش الحقوقي.
فالدستور العراقي نفسه يكفل حرية التعبير في المادة 38. ومن هنا، فإن أي دولة ديمقراطية يفترض أن تسأل: هل الاعتقال والسجن فعلاً إجراءان ضروريان ومتناسبان مع فعل رمزي سياسي لم يؤذِ أي شخص؟
يمكنك أن ترفض حرق الأعلام أو دوسها. ويمكنك اعتباره عملاً استفزازياً أو مسيئاً أو حتى تصرفاً سياسياً أحمقاً.
لكن إيداع الناس السجون بسبب إهانة رمز دولة أجنبية هو أمر مختلف تماماً.
بالنسبة إلى كثير من العراقيين، يرتبط العلم الأميركي بغزو عام 2003، والاحتلال، وأبو غريب، وسنوات من الحرب، ومرحلة غيرت العراق بأكمله. ولا يمكن للدولة أن تتصرف وكأن هذه الذاكرة التاريخية تختفي فقط لأن البروتوكول الدبلوماسي يفرض علاقات ودية مع واشنطن.
تقارير متداولة في الإعلام العراقي وأوساط الفصائل ذكرت أن السيد ضرغام أبو رغيف من بين الموقوفين.
وبعد تأكيد توقيفه، من المرجح أن تتحول قضيته إلى نقطة حشد أكبر داخل أوساط الحشد الشعبي وبين القوى الغاضبة أصلاً من قرار الحكومة. و هذا الذي حصل في البصرى حيث بدأت المظاهرات الشعبية المنددة لاحتجاز الضرغام .
وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً حول المساواة أمام القانون:
كثير من العراقيين يسألون: إذا كانت إهانة العلم الأميركي تستوجب اعتقالات فورية، فماذا يحدث عندما يُحرق العلم العراقي نفسه أو يُهان، كما حدث مثلاً في كركوك؟
السيادة لا تعني استبدال شكل من أشكال الهيمنة الخارجية بحكومة داخلية تخشى الإحراج الدبلوماسي.
السيادة تعني قضاءً عراقياً مستقلاً.
وتعني ضمان الإجراءات القانونية العادلة.
وتعني تطبيق القانون بالتساوي على الجميع.
وتعني أيضاً منح العراقيين مساحة للتعبير عن غضبهم من القوى الأجنبية، من دون تحويل كل فعل سياسي استفزازي إلى جريمة أمنية.
الزيدي اليوم أمام خيار واضح.
إما أن يعمل على تهدئة الوضع عبر إجراءات قضائية شفافة ومتناسبة، أو أن يسمح لهذه القضية بأن تتحول إلى أزمة أكبر بكثير: مواجهة بين الحكومة وشريحة واسعة ترى أن أشخاصاً قاتلوا من أجل العراق يُعتقلون اليوم لحماية كرامة علم القوة نفسها التي قاتلوها سابقاً.
وهذه ستكون رسالة سياسية شديدة الخطورة في عراق ما بعد التحالف.

