قال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إن الحكومة ستشرع قانوناً ينظم الحشد الشعبي ويثبت مكانته كجزء أساسي من المنظومة الأمنية العراقية، تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة. كما أعلن عن خارطة طريق لمعالجة ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، على أن تُستكمل العملية في موعد أقصاه 30 حزيران/يونيو 2027.
فماذا يعني ذلك عملياً؟
النقطة الأهم هي أن بغداد لا تتحدث عن حل الحشد الشعبي. بل على العكس، الاتجاه هو نحو تثبيته بشكل أكثر وضوحاً كمؤسسة أمنية دائمة داخل الدولة.
الحشد الشعبي هو أصلاً جزء من القوات المسلحة العراقية قانونياً منذ صدور قانون رقم 40 لسنة 2016، والذي وضعه تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة وأخضع منتسبيه للقوانين العسكرية العراقية.
أما القانون الجديد، فيهدف إلى تنظيم هيكل القيادة، والإدارة، والخدمة، والرواتب، والتقاعد، والعلاقة بين الحشد وبقية مؤسسات القوات المسلحة.
لكن ماذا سيحدث للأسلحة؟
هنا يجب التفريق بين أمرين.
الأسلحة التابعة رسمياً لـ هيئة الحشد الشعبي لن تكون بالضرورة مطالبة بالتسليم للجيش العراقي.
فإذا كانت المدفعية أو الآليات أو أي منظومة سلاح تابعة رسمياً للحشد وتعمل ضمن سلسلة القيادة الرسمية للدولة، فمن الممكن أن تبقى ضمن ترسانة الحشد، تماماً كما يملك الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب أسلحته الخاصة.
المشكلة الأساسية تتعلق بـ أسلحة الفصائل التي تعمل بشكل مستقل.
موقف بغداد هو أنه لا يجوز لأي فصيل الاحتفاظ بقيادة عسكرية مستقلة تستطيع بمفردها اتخاذ قرار إطلاق صواريخ أو مسيرات أو تنفيذ عمليات عسكرية دون الرجوع إلى الدولة.
الزيدي تحدث أكثر من مرة عن حصر السلاح بيد الدولة، وليس عن إنهاء الحشد.
كما سبق لمسؤولين عراقيين أن أشاروا إلى أن بعض الفصائل قد تدخل في مؤسسات الدولة مع عناصرها ومعداتها، بشرط أن تصبح تلك الأسلحة خاضعة للقيادة الرسمية.
عملياً، فإن أي فصيل يمتلك مدفعية أو صواريخ أو طائرات مسيرة قد يجد نفسه أمام خيارين:
⬅️ دمج الأفراد والأسلحة المسموح بها ضمن الحشد الرسمي أو مؤسسة أمنية عراقية، بحيث يصبح قرار استخدامها بيد القيادة الحكومية.
⬅️أو تسليم الأسلحة التي تبقى تحت قيادة فصيلية مستقلة خارج إطار الدولة.
وبحسب تصريحات حكومية سابقة، دخلت بعض الفصائل بالفعل في ترتيبات تتعلق بفك الارتباط وتنظيم ملف السلاح، بينما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن استقلالية قرارها العسكري.
لكن أصعب نقطة تبقى مرتبطة بالفصائل التي تعتبر سلاحها “سلاح مقاومة” وليس مجرد سلاح تابع لهيئة الحشد.
هل سيوافق الحشد على هذه الترتيبات؟
الإجابة ليست واحدة، لأن هيئة الحشد الشعبي ليست شيئاً واحداً متجانساً سياسياً، كما أن الفصائل داخلها أو المرتبطة بها تختلف في مواقفها.
القيادة الرسمية للحشد تؤكد عادة أن الحشد قوة تعمل تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة، وهذا يتوافق من حيث المبدأ مع التوجه الحكومي الجديد.
لكن الخلاف الحقيقي سيكون حول مقدار الاستقلالية العسكرية التي ستُجبر بعض الفصائل على التخلي عنها.
بمعنى آخر، ما تحاول بغداد تقديمه هو صيغة وسط:
الحشد يبقى، ومقاتلوه يحتفظون بوضعهم ورواتبهم ودورهم العسكري، لكن في النهاية يجب أن تكون هناك قيادة دولة واحدة تقرر أين تُستخدم الأسلحة الثقيلة ومتى تُستخدم.
وهذه هي النقطة التي ستحدد ما إذا كنا أمام إعادة هيكلة حقيقية للمنظومة الأمنية العراقية، أم مجرد إعادة تنظيم قانونية للوضع القائم.

