العفو العام في لبنان: إصلاح للعدالة أم إعادة هندسة سياسية؟

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام، في خطوة قُدّمت باعتبارها إجراءً إنسانياً وقضائياً لمعالجة اكتظاظ السجون وتخفيف الضغط عن النظام القضائي.
لكن التداعيات السياسية لهذا القانون تتجاوز بكثير مسألة إصلاح السجون.
السؤال الأول: مَن المستفيد؟
يفتح القانون الباب أمام الإفراج عن عناصر تكفيرية أو خفض أحكامهم، بينهم أشخاص أُدينوا في مواجهات مسلحة مع الدولة اللبنانية واعتداءات على الجيش اللبناني.
وهنا يبرز سؤال أمني خطير:
هل يمكن أن تؤدي إعادة هذه العناصر إلى المجتمع إلى إعادة فتح جراح طائفية لم يتمكن لبنان من معالجتها بالكامل؟
وإذا أُعيد إطلاق سراح عناصر متطرفة في ظل استمرار التوترات الطائفية، فمن يضمن ألا تتحول هذه الشبكات مجدداً إلى أدوات لزعزعة الاستقرار الداخلي؟
السؤال الثاني: مَن تتم إعادة إدخاله إلى لبنان؟
يفتح القانون، وفق ما أُعلن، مساراً أمام عودة أفراد وعائلات مرتبطة بـ جيش لبنان الجنوبي المدعوم من إسرائيل (SLA).
وهذه ليست قضية هجرة أو مصالحة عادية.
فجيش لبنان الجنوبي عمل إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. ولذلك ينظر كثير من اللبنانيين إلى أفراده ليس باعتبارهم مواطنين غادروا البلاد فحسب، بل باعتبارهم أشخاصاً ارتبطوا بقوة احتلال.
وتزداد حساسية القضية عندما يكون بعض الذين نشأوا في إسرائيل، بمن فيهم أفراد من عائلات مرتبطة بجيش لبنان الجنوبي، قد خدموا لاحقاً في الجيش الإسرائيلي.
وهنا تطرح عودتهم إلى لبنان أسئلة عميقة حول:
الأمن القومي
الولاء والانتماء الوطني
الشبكات الاستخباراتية
النفوذ الإسرائيلي داخل لبنان
تطبيع حضور مرتبط بالاحتلال
وبالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، فإن المسألة ليست مجرد «مصالحة»، بل قد تتحول إلى تطبيع تدريجي عبر إعادة الإدماج.
الصورة الأكبر
يصعب تجاهل توقيت هذه الخطوة.
فلبنان يعمل أصلاً في ظل ضغوط سياسية وأمنية أميركية وإسرائيلية مكثفة، فيما لعبت واشنطن دوراً أساسياً في الإطار الناشئ للعلاقة بين لبنان وإسرائيل.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال:
مَن سيستفيد من العفو؟
بل السؤال الأهم:
مَن المستفيد سياسياً من لبنان الذي سيظهر بعد هذا القانون؟
إذا أُطلق سراح عناصر تكفيرية أو خُفّضت أحكامهم بشكل كبير، بما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الطائفية؛
وإذا مُنحت الشبكات المرتبطة بجيش لبنان الجنوبي المدعوم من إسرائيل مساراً للعودة إلى المجتمع اللبناني؛
وإذا حدث الأمران في ظل ضغوط خارجية غير مسبوقة على لبنان—
فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا:
هل لا يزال لبنان يتخذ قراراته السيادية، أم أن بيروت بدأت تدريجياً بتنفيذ أجندة تُصمَّم خارج البلاد؟
لا يمكن لدولة ذات سيادة أن تدّعي الدفاع عن استقلالها الوطني بينما تعمل في الوقت نفسه على إضعاف تماسكها الداخلي.
ولا يمكنها أن تطلب من الجيش اللبناني الدفاع عن البلاد، بينما تمنح التساهل السياسي لمن حمل السلاح ضد الدولة في الماضي.
ولا يمكنها أن تتحدث عن مقاومة الاحتلال، بينما تسمح بالتطبيع التدريجي مع شبكات ارتبطت تاريخياً بذلك الاحتلال.
هنا يكمن الخطر الحقيقي
المسألة ليست فقط في احتمال إطلاق سراح مجرمين أو مسلحين.
الخطر الأعمق يكمن في إعادة تشكيل لبنان من الداخل:
إعادة إشعال التوترات الطائفية.
إعادة تنشيط شبكات متطرفة.
إعادة دمج شبكات مرتبطة تاريخياً بالاحتلال.
تطبيع النفوذ الإسرائيلي بصورة تدريجية.
إضعاف السيادة اللبنانية من دون الحاجة إلى توقيع اتفاق تطبيع رسمي واحد.
وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي يُدفع لبنان نحوه، فإن المسؤولية لا تقع فقط على واشنطن أو تل أبيب.
بل تقع أيضاً على المسؤولين اللبنانيين الذين يتخذون هذه القرارات.
لقد دفع الشعب اللبناني والمقاومة ثمناً باهظاً دفاعاً عن سيادة لبنان.
ولن يقبلا بتحويل لبنان إلى ساحة لصراع طائفي جديد، ولا بتطبيع النفوذ الإسرائيلي تدريجياً تحت غطاء المصالحة والإصلاح القانوني.
لذلك، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى إصلاح قضائي ومعالجة أزمة السجون.
بالطبع يحتاج إلى ذلك.
السؤال الحقيقي هو:
هل يُستخدم الإصلاح القضائي كغطاء لمشروع سياسي أكبر؟
هل يعيد لبنان إصلاح نظامه القضائي… أم أن الطبقة السياسية تعيد تشكيل البلاد من الداخل؟