لطالما أتقنت الإمارات فن الموازنة بين واشنطن وطهران وبقية أطراف المنطقة.

لكن وفقاً لتقرير حديث نشرته Axios، أبلغ مسؤولون إماراتيون، بقيادة مستشار الأمن القومي الشيخ طحنون بن زايد، إدارة ترامب بأن الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران لن يكون فعالاً ما لم يشمل جميع الدول الرئيسية التي تتعامل تجارياً مع طهران.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأن أبوظبي تطالب بفرض حصار اقتصادي شامل على إيران.

لكن هنا تكمن المفارقة:

الإمارات نفسها مرتبطة بشكل وثيق بالاقتصاد الإيراني.

فدبي لعبت لعقود دور بوابة تجارية ومالية رئيسية لإيران، من خلال إعادة التصدير والشحن وتدفقات العملات والاستثمارات ورؤوس الأموال المرتبطة بإيران.

فلماذا تريد أبوظبي من واشنطن توسيع شبكة العقوبات؟

لأن الهدف الحقيقي قد لا يكون إيران وحدها، بل حماية الميزة التنافسية لدبي نفسها.

إذا فرضت واشنطن عقوبات على المصارف والشركات الإماراتية، بينما بقيت الصين والهند وتركيا وروسيا وآسيا الوسطى مفتوحة أمام التجارة مع إيران، فلن تختفي التجارة الإيرانية.

بل ستنتقل إلى أماكن أخرى.

وعندها تخسر دبي الأعمال.

ومن خلال مطالبة واشنطن بالضغط على الجميع، تبدو الرسالة الإماراتية واضحة:

إذا كنا سننتحمل الكلفة، فلا ينبغي السماح لمنافسينا بالاستحواذ على السوق.

هذا ليس بالضرورة دليلاً على الثقة الاستراتيجية.

بل هو تحوّط اقتصادي محسوب.

وفي الوقت نفسه، لدى أبوظبي مصلحة قوية في الحفاظ على أهميتها بالنسبة إلى واشنطن.

فالتقارب مع السياسة الأمريكية يعزز وصول الإمارات إلى الأسلحة الأمريكية والتعاون الاستخباراتي والضمانات الأمنية، ويكرّس موقعها كمركز مالي وتجاري مفضل.

لكن في صميم هذه الاستراتيجية تناقض خطير.

كلما انحازت أبوظبي بشكل أكبر إلى واشنطن في مواجهة طهران، زادت مخاطر تدمير العلاقة الاقتصادية التي جعلت دبي مهمة في الأساس.

وقد تسرّع إيران نقل تجارتها ورؤوس أموالها وشبكاتها اللوجستية بعيداً عن الإمارات، باتجاه ممرات بديلة عبر آسيا.

وهذا سيضرب قطاعات أساسية في النموذج الاقتصادي لدبي، من إعادة التصدير والشحن إلى التمويل والخدمات اللوجستية والعقارات.

أما المعادلة الأمنية فهي أكثر خطورة.

اقتصاد الإمارات يقوم على الاستقرار والسياحة والثقة المالية واستمرار حركة التجارة البحرية دون انقطاع.

وأي مواجهة إقليمية واسعة تضع هذه الركائز الأربع تحت الضغط.

كما أن البنية التحتية الخليجية شديدة التركّز، في حين تمتلك إيران وشركاؤها الإقليميون قدرات غير متماثلة قادرة على فرض كلفة تتجاوز بكثير حدود ساحة المعركة التقليدية.

هذه هي معضلة أبوظبي:

تريد حماية المظلة الأمنية الأمريكية من دون أن تتحول إلى ضحية اقتصادية للمواجهة الأمريكية مع إيران.

لذلك تحاول توزيع الضغط على كامل شبكة التجارة الدولية مع طهران.

لكن هناك احتمالاً بالغ الخطورة:

مساعدة واشنطن على توسيع الحرب الاقتصادية ضد إيران قد تدفع طهران في نهاية المطاف إلى تفكيك اعتمادها على دبي بالكامل.

وعندما ينهار هذا الجسر الاقتصادي، قد لا يكون من السهل إعادة بنائه.

الإمارات تراهن على أن واشنطن تستطيع حماية مصالحها، بينما تواصل هي اللعب على طرفي المعادلة الإقليمية.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل يمكن لهذه الموازنة أن تصمد أمام مواجهة شاملة؟

فحين تشتعل المنطقة، يمكن أن يتحول الوقوف كجسر مالي بين معسكرين متخاصمين من ميزة استراتيجية إلى نقطة ضعف خطيرة.