نقلت وكالة رويترز عن مسؤول مطّلع أن الوسطاء القطريين سلّموا طهران، يوم الأحد، مسودة اتفاق جديدة لإنهاء الحرب، وأن إيران تدرس المقترح تمهيداً للرد عليه قبل نهاية الأسبوع.

لكن السؤال الذي يجب طرحه: ما قيمة أي اتفاق يُعرض على إيران اليوم، بينما تستعد واشنطن وتل أبيب لاحتمال استئناف الحرب بعد الانتخابات؟

المفارقة أن هذا الخبر يتزامن مع تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، يفيد بأن الولايات المتحدة أبلغت دولاً خليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال شنّ حملة عسكرية مكثفة ضد إيران بعد انتخابات الكونغرس في 3 تشرين الثاني.

بمعنى آخر، هناك مسار دبلوماسي تقوده الدوحة، وفي المقابل استعدادات عسكرية أميركية وإسرائيلية لا يمكن تجاهلها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ترامب أعلن أنه لن يهاجم إيران قبل الانتخابات الأميركية. لكنه لم يقدم ضمانة مماثلة لما بعدها. وهذا يفتح الباب أمام احتمال أن تكون المفاوضات وسيلة لإدارة الوقت، واحتواء التصعيد مؤقتاً، ريثما تنتهي الحسابات الانتخابية في واشنطن.

فهل نحن أمام محاولة جدية لإنهاء الحرب، أم أمام محاولة لشراء الهدوء قبل جولة عسكرية جديدة؟

لا أعتقد أن من الإنصاف التشكيك تلقائياً في الجهد القطري. فالدوحة تملك قنوات اتصال مهمة مع الطرفين، وتدرك أن اندلاع مواجهة شاملة سيدفع الخليج كله ثمناً باهظاً.

لكن المشكلة ليست في نوايا الوسيط، بل في قدرة الوسيط على إلزام الأطراف بما تتفق عليه.

من وجهة نظر طهران، هناك أسئلة لا يمكن تجاوزها:

▪️ من يضمن عدم استغلال أي تهدئة لإعادة بناء الجاهزية العسكرية الأميركية والإسرائيلية؟

▪️ هل يتضمن الاتفاق رفعاً فعلياً للحصار والعقوبات، أم مجرد وعود مشروطة بتنازلات إيرانية مسبقة؟

▪️ ما قيمة الضمانات الدولية إذا لم تتضمن آلية واضحة للتنفيذ والمحاسبة عند خرق الاتفاق؟

▪️ وهل سيشمل وقف التصعيد الساحات الإقليمية، وخصوصاً لبنان، أم سيُترك الباب مفتوحاً لمواصلة الضغط على حلفاء إيران؟

وهناك نقطة أخطر من ذلك كله.

إذا كانت واشنطن تريد من إيران تقديم تنازلات استراتيجية تحت تهديد القصف، فإننا لا نتحدث عن تسوية متوازنة، بل عن محاولة لتحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية.

ومن الصعب تصور أن تقبل طهران باتفاق يقيّد أوراق قوتها، فيما تحتفظ الولايات المتحدة وإسرائيل بحرية العودة إلى الحرب متى شاءتا.

ومع ذلك، ليس من مصلحة إيران أو المنطقة إغلاق باب الدبلوماسية. فالحرب ليست إنجازاً بحد ذاتها، والاتفاق الذي يحفظ السيادة ويمنع العدوان ويخفف معاناة الشعوب يستحق الدراسة الجدية.

الخلاصة:

المبادرة القطرية مهمة كنافذة دبلوماسية، لكنها لا تملك قيمة استراتيجية حقيقية ما لم تتحول إلى التزامات قابلة للتنفيذ وضمانات تمنع تجدد العدوان.

أما إذا كان المطلوب من إيران تقديم التنازلات الآن، مقابل وعود أميركية يمكن التراجع عنها بعد الانتخابات، فمن حق طهران أن تنظر إلى العرض بكثير من الحذر.

فالقيمة الحقيقية للورقة القطرية لن تُقاس بما تعد به واشنطن قبل 3 تشرين الثاني، بل بما تستطيع الدوحة ضمانه بعد 3 تشرين الثاني.

والسؤال الذي لم يُجب عنه أحد حتى الآن:

هل تريد واشنطن اتفاقاً ينهي الحرب، أم اتفاقاً يمنحها الوقت لاختيار موعد الحرب المقبلة؟