عندما يفشل الإكراه العسكري، تلجأ واشنطن إلى العقوبات.
يجري تسويق حديث إدارة ترامب عن «يوم إنزال اقتصادي» و«أكبر هجوم مالي في التاريخ» ضد إيران باعتباره استعراضاً للقوة الأميركية الساحقة.
لكن الواقع الاستراتيجي أقل إثارة بكثير:
واشنطن تنتقل من الضغط العسكري إلى الحرب الاقتصادية لأن الإكراه العسكري فشل في إجبار طهران على الاستسلام.
وبعدما فشلت التهديدات المباشرة والضغوط في الخليج الفارسي في تحقيق تغيير للنظام، من دون المخاطرة بجرّ المنطقة إلى حرب كارثية، عادت واشنطن إلى سلاحها الأكثر استخداماً: الخنق المالي.
أسطورة جبهة العقوبات «العالمية»
تستطيع واشنطن تهديد العالم بأسره بالعقوبات الثانوية، لكنها لا تستطيع إجبار العالم بأسره على الخضوع السياسي.
المعسكر الغربي:
من المرجح أن تلتزم بالعقوبات كل من الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جانب اقتصادات أخرى مرتبطة بالولايات المتحدة.
الجنوب العالمي وأوراسيا:
عملت الصين وروسيا والعديد من الاقتصادات الآسيوية والأوراسية والإقليمية بصورة متزايدة على بناء آليات تقلل من اعتمادها على النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن.
الدول المستهدفة:
قد تتعرض الهند وتركيا والعراق والإمارات العربية المتحدة وعدد من دول آسيا الوسطى للضغط إذا حافظت على قنوات مالية أو تجارية مهمة مع طهران.
إن تهديد المصارف الأجنبية وشركات الشحن والشركاء التجاريين السياديين بالإقصاء من النظام القائم على الدولار ليس دليلاً على شرعية عالمية.
بل هو دليل على استخدام الإكراه المالي بديلاً عن التوافق الدولي.
الصين هي المشكلة الأكبر بالنسبة إلى واشنطن
إن استمرار العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران يعقّد بشدة أي محاولة لتحويل العقوبات إلى حصار محكم.
فقد طوّرت بكين آليات دفع بديلة، وقنوات تجارية خارج الدولار، وترتيبات في مجال الطاقة تقلل من انكشافها على البنية التحتية المالية الغربية.
وبالنسبة إلى الصين، بات يُنظر إلى العقوبات الأميركية الثانوية بصورة متزايدة ليس باعتبارها مجرد سياسة تجاه إيران، بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لاحتواء الصين نفسها.
وفي الوقت نفسه، يمنح انخراط روسيا والصين مع إيران عبر بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وشبكات التجارة الأوراسية طهران مساحة إضافية للتنفس اقتصادياً.
العقوبات ≠ القانون الدولي
تقدّم واشنطن في كثير من الأحيان العقوبات الأحادية الجانب باعتبارها أدوات مشروعة للسياسة الخارجية.
لكن الصورة القانونية أكثر تعقيداً بكثير.
يحق للولايات المتحدة فرض قيود بموجب قوانينها الداخلية. لكن المشكلة تبدأ عندما تحاول واشنطن إجبار دول ثالثة ذات سيادة على الالتزام بهذه القيود من خلال العقوبات الثانوية.
وهذا يثير أسئلة جوهرية تتعلق بـ:
السيادة
الاختصاص القضائي خارج الحدود
المساواة في السيادة بين الدول
حرية التجارة الدولية
التداعيات الإنسانية
يمكن لمجلس الأمن الدولي فرض عقوبات دولية ملزمة. لكن الإجراءات الأحادية التي تفرضها واشنطن لا تكتسب تلقائياً السلطة القانونية الدولية نفسها لمجرد أن الدولار الأميركي لا يزال العملة المهيمنة.
كيف تستطيع إيران تحييد هذا الحصار؟
لا ينبغي أن يكون رد طهران دفاعياً فقط.
بل يجب أن يكون بنيوياً.
توسيع التجارة بالعملات المحلية
زيادة تسوية المعاملات مع الصين وروسيا والهند والشركاء الإقليميين باليوان والروبل والدينار وغيرها من العملات الوطنية.
تقليص الاعتماد على البنية التحتية المالية الغربية
بناء قنوات بديلة للمقاصة والدفع والتمويل، بما يقلل من التعرض للأنظمة الخاضعة للسيطرة الأميركية.
تسريع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)
يمكن لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب أن يعزز موقع إيران كجسر عبور حيوي يربط روسيا وآسيا الوسطى بالهند.
الانتقال بصورة أكبر إلى الصناعات التحويلية
زيادة صادرات المنتجات النفطية المكررة والبتروكيماويات والسلع الصناعية ذات القيمة المضافة، بدلاً من الاعتماد بصورة مفرطة على تصدير النفط الخام.
استخدام الآليات القانونية الدولية
الطعن، حيثما كان ذلك ممكناً، في التطبيق خارج الحدود للعقوبات الأميركية، والعمل على بناء تحالفات دبلوماسية وقانونية لمواجهة إجراءات الإكراه الاقتصادي الأحادية الجانب.

