الهاوية المالية الأمريكية: «وفورات» ترامب تصطدم بحقيقة الديون

ينبغي قراءة التحذير الذي نشرته The Globe and Mail في سياق السردية الاقتصادية المتفائلة التي تتبناها واشنطن بشكل متزايد.
في مقال الرأي المنشور في 12 أغسطس/آب 2026 بعنوان «الولايات المتحدة تتجه نحو هاوية مالية»، تسلّط الصحيفة الضوء على حقيقة صادمة: الولايات المتحدة تضيف نحو 20 مليون دولار أمريكي إلى دينها الوطني خلال الوقت الذي يستغرقه المرء لقراءة المقال.
وهذا يعني أن الدين يتزايد بنحو 9 مليارات دولار يومياً، وبقرابة 60 مليار دولار أسبوعياً.
هذه ليست مجرد مسألة إنفاق «مفرط» من جانب واشنطن، بل هي مسألة حسابات مالية بحتة.
وتشير توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي (CBO) الصادرة في فبراير/شباط 2026 إلى أن العجز الفيدرالي سيبلغ 1.9 تريليون دولار في عام 2026، ليرتفع إلى 3.1 تريليون دولار بحلول عام 2036.
كما يُتوقع أن يرتفع الدين الذي يحمله الجمهور من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 إلى 120% في عام 2036.
وماذا عن ادعاء ترامب بأنه «يوفّر أموالاً» لأمريكا؟
هنا تحديداً تصطدم الرواية السياسية بحقيقة الميزانية.
لطالما قدّم ترامب وإدارته مبادرات خفض الإنفاق الحكومي، ولا سيما أجندة DOGE، باعتبارها دليلاً على تحقيق وفورات ضخمة وزيادة الكفاءة الحكومية.
لكن خفض بعض بنود الإنفاق لا يعني تلقائياً خفض العجز الفيدرالي، فضلاً عن عكس مسار الدين الوطني.
المعادلة الأساسية بسيطة وقاسية:
العجز = الإنفاق الحكومي − الإيرادات الحكومية.
إذا كانت التخفيضات في الإنفاق أقل من خسائر الإيرادات والنفقات الجديدة، فإن العجز سيستمر في الارتفاع.
وهنا تكمن أهمية التمييز.
فقد تعلن الحكومة عن «وفورات» بمليارات الدولارات، بينما تضيف في الوقت نفسه تريليونات الدولارات إلى الدين نتيجة التخفيضات الضريبية، والإنفاق الجديد، وتكاليف الفائدة، وغيرها من الالتزامات المالية.
ولهذا فإن أرقام مكتب الميزانية في الكونغرس تمثل اختباراً أكثر صرامة من الإعلانات السياسية:
إذا كانت واشنطن «توفر» فعلاً الأموال، فلماذا لا يزال العجز المتوقع ضخماً؟ ولماذا يستمر الدين في الارتفاع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي؟
المشكلة الأعمق: الفوائد تتحول إلى قوة مالية ضاغطة
لم تعد المشكلة تكمن في حجم الدين وحده.
فمع تراكم الديون، تضطر الحكومة إلى تخصيص حصة متزايدة من إيراداتها المستقبلية لسداد فوائد هذا الدين.
وهذا يخلق حلقة مفرغة:
ارتفاع الدين → ارتفاع مدفوعات الفائدة → اتساع العجز → المزيد من الاقتراض → ارتفاع أكبر في الدين.
وهكذا تتشكل الأزمات المالية، ليس بالضرورة عبر انهيار مفاجئ، بل من خلال التآكل التدريجي للهامش المالي المتاح أمام الدولة.
التناقض الذي يصعب إخفاؤه
تعتمد الرسالة السياسية لترامب على صورة إدارة تقوم بخفض الهدر، وتعزيز الاقتصاد، وتوفير أموال دافعي الضرائب.
لكن الميزانية الوطنية تحكي قصة مختلفة.
فالحكومة لا تصبح مسؤولة مالياً لمجرد أنها تعلن عن «وفورات». المسؤولية المالية الحقيقية تُقاس بمدى استدامة الإيرادات والإنفاق ومسار الدين وتكلفة الفوائد.
وهذا هو الاختبار الذي لا تستطيع واشنطن تجنبه إلى الأبد.
صحيح أن الولايات المتحدة قادرة على مواصلة الاقتراض لفترة طويلة، لأن الدولار لا يزال العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، ولأن سوق سندات الخزانة الأمريكية من أعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة.
لكن امتياز العملة الاحتياطية ليس بديلاً عن الانضباط المالي.
لذلك لم يعد السؤال ببساطة:
«كم من الأموال يوفرها ترامب؟»
بل أصبح:
«لماذا تواصل الولايات المتحدة تراكم الديون بهذه الوتيرة الهائلة إذا كانت الإدارة تحقق بالفعل وفورات تاريخية؟»
هذا هو التناقض الذي لن تستطيع السردية السياسية الأمريكية إخفاءه إلى الأبد.
قد تبيع واشنطن رواية «الوفورات المالية»… لكن وزارة الخزانة لا تزال تبيع الديون.
وفي نهاية المطاف، الأسواق هي التي ستقرر أي الروايتين تصدّق.