هناك تطوران شهدتهما بريطانيا خلال الساعات الـ48 الماضية يستحقان أن يُقرآ معاً — ليس لأن هناك دليلاً على أنهما جزء من عملية واحدة، بل لأنهما يكشفان مدى السرعة التي تتغير بها البيئة الأمنية في أوروبا.
حذّر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال كلمة له في مؤتمر حزب العمال، من أن
«الحرب عادت إلى أوروبا»،
في إشارة أساسية إلى الغزو الروسي لأوكرانيا، مؤكداً أن الأمن الأوروبي لم يعد مسألة بعيدة عن الحياة اليومية للبريطانيين.
وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية تتعامل مع حادثة لافتة قرب قاعدة RAF Fairford في غلوسترشير — وهي واحدة من أهم القواعد الجوية التي تستخدمها الولايات المتحدة في أوروبا من الناحية الاستراتيجية، كما أنها قادرة على دعم عمليات القاذفات الأميركية الثقيلة. وقد استُخدمت فيرفورد أيضاً هذا العام ضمن عمليات عسكرية أميركية ضد إيران.
ألقت السلطات القبض على خمسة رجال بريطانيين تتراوح أعمارهم بين 23 و25 عاماً ويقيمون في لندن، بعد العثور على ثلاث شاحنات صغيرة مشبوهة قرب القاعدة.
وقد جرى توقيفهم في البداية للاشتباه في جرائم مرتبطة بالمتفجرات، ثم للاشتباه في التحضير لعمل إرهابي. وبعد استجوابات مطولة وفحص المركبات، أُفرج عن الرجال الخمسة بكفالة من الشرطة، مع فرض ما وصفه مسؤولو مكافحة الإرهاب بقيود مشددة عليهم. ولا يزال التحقيق مستمراً.
أما أبرز التطورات، فهو أن المحققين البريطانيين باتوا يدرسون بشكل معلن احتمال وجود وكلاء أو أفراد يعملون — عن علم أو من دونه — لصالح دولة أجنبية.
وذهب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أبعد من ذلك مساء الاثنين، قائلاً إن هناك «جهة أجنبية» متورطة «بشكل واضح»، لكنه لم يقدم أدلة علنية تدعم هذا الاتهام. وفي المقابل، نفت إيران بشكل قاطع أي علاقة لها بالحادثة.
وهناك أيضاً تصحيح مهم لبعض التقارير الأولية: فرغم الشبهات التي أُثيرت حول المركبات، أشارت تقارير لاحقة إلى أنه لم يتم العثور في نهاية المطاف على أي مواد متفجرة.
وهذا يعني أنه من السابق لأوانه وصف الحادثة علناً بأنها هجوم مؤكد تقف خلفه إيران أو روسيا أو أي دولة أخرى.
إذن، ما الرابط بين التطورين؟
حادثة فيرفورد تعكس جانباً من المشكلة الأمنية الأوسع التي كان ميليباند يتحدث عنها. فالمواجهة الحديثة لم تعد تقتصر على دبابات تعبر الحدود.
القواعد العسكرية، والبنى التحتية للطاقة، وشبكات الاتصالات، والموانئ، ومراكز الإمداد واللوجستيات الواقعة بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية أصبحت جميعها نقاط ضغط محتملة.
وبالنسبة إلى بريطانيا، فإن قاعدة RAF Fairford تتمتع بحساسية خاصة. فهي ليست مجرد قاعدة جوية بريطانية أخرى، بل واحدة من عدد قليل من القواعد الأوروبية القادرة على دعم عمليات القاذفات الاستراتيجية الأميركية.
ولهذا، فإن أي محاولة جدية لتعطيل عملها ستكون لها تداعيات عسكرية تتجاوز غلوسترشير بكثير.
لكن من المهم الحفاظ على الفارق بين الوقائع والاستنتاجات: لا شك أن أوروبا تمر اليوم بمرحلة أكثر عسكرة واضطراباً، لكن هذا لا يعني أن كل حادث أمني هو تلقائياً دليل على عملية سرية تقف خلفها دولة أجنبية.
وإلى أن يحدد المحققون لصالح من كان هؤلاء الرجال يعملون، وما الذي كانوا يعتزمون القيام به، وما إذا كانت هناك جهة قد وجّهتهم، فإن الحديث عن مسؤولية دولة أجنبية يبقى في إطار الادعاءات لا الحقائق المثبتة.
أما ما بات واضحاً بالفعل، فهو أن الحروب المحيطة بأوروبا تؤثر بشكل متزايد على الأمن داخل أوروبا نفسها — فيما تستعد الحكومات لعالم يصبح فيه الخط الفاصل بين ساحة الحرب الخارجية والجبهة الأمنية الداخلية أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

