بريطانيا تُحضّر شعبها لحالة طوارئ وطنية… ماذا تعرف لندن ولا يعرفه المواطنون؟ ولماذا هذا الخوف المفاجئ؟
26 تشرين الأول 2026 | لندن – المملكة المتحدة
التحذير البريطاني الأخير يستحق التوقف عنده بجدية. فقد دعت الحكومة البريطانية العائلات إلى الاحتفاظ بمخزون من المواد الأساسية يكفي لمدة 72 ساعة، بما يشمل مياه الشرب والأغذية طويلة الأجل والأدوية والنقود وأجهزة الراديو التي تعمل بالبطاريات.
لكن التطور الأخطر لا يكمن في مطالبة المواطنين بتخزين الطعام!
بل في طبيعة الخطاب الذي يستخدمه وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ، الذي حذّر من احتمال تعرض البنية التحتية الحيوية في بريطانيا لهجمات مرتبطة بروسيا، بما فيها عمليات تخريب وهجمات إلكترونية ترعاها دول.
والأكثر خطورة أن ستريتينغ ذهب أبعد من ذلك، محذّراً من أن خصوم بريطانيا قد يمتلكون بحلول عام 2030 قدرات عسكرية تمكّنهم من شن هجمات، ما يترك أمام لندن نحو 1000 يوم لتعزيز جاهزيتها الدفاعية.
1️⃣ ما المخاطر الحقيقية التي تخشاها بريطانيا؟
الخطر المباشر ليس بالضرورة سقوط الصواريخ الروسية على لندن، بل احتمال اندلاع مواجهة هجينة قادرة على شلّ الخدمات الأساسية من دون إعلان حرب رسمية.
▪️ شبكات الكهرباء: قد تتسبب الهجمات الإلكترونية أو أعمال التخريب في تعطيل أجزاء من الشبكة الوطنية، ما قد يؤثر في ملايين السكان.
▪️ القطاع المصرفي: يمكن أن يؤدي تعطيل الأنظمة المالية إلى توقف عمليات الدفع الإلكتروني والسحب النقدي.
▪️ المياه والاتصالات: قد تؤدي الهجمات على محطات الضخ وشبكات الاتصالات والكابلات البحرية إلى انقطاع خدمات حيوية.
▪️ النقل وسلاسل الإمداد: قد تتعرض السكك الحديدية والموانئ وتوزيع الوقود والمتاجر الكبرى لاضطرابات متسلسلة.
في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الأنظمة الرقمية، يمكن لهجوم يستهدف البنية التحتية أن يتسبب بخسائر اقتصادية هائلة من دون الحاجة إلى اجتياح عسكري تقليدي.
2️⃣ لماذا هذا الخوف المفاجئ؟
هناك ثلاثة تطورات تفسّر التصعيد الملحوظ في الخطاب البريطاني.
أولاً | المواجهة الروسية – الأطلسية
أصبحت الاستخبارات البريطانية تتعامل مع التخريب والعمليات الإلكترونية واستهداف البنى التحتية الحيوية باعتبارها تهديدات مستمرة وليست مجرد احتمالات بعيدة.
وتخشى لندن أن تتجاوز المواجهة المرتبطة بالحرب الأوكرانية حدود ساحات القتال، لتطال المنشآت المدنية داخل أوروبا.
ثانياً | هشاشة البنية التحتية البريطانية
تعتمد المملكة المتحدة على منظومات مترابطة من الكهرباء والاتصالات والخدمات المالية والنقل والإمدادات.
وهذا يعني أن تعطيل قطاع واحد قد يتسبب باضطرابات متسلسلة تطال قطاعات أخرى.
واللافت أن المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني أعلن أن نحو 75% من الحوادث الإلكترونية التي تعامل معها، والتي أثّرت في البنية التحتية الحيوية خلال العام المنتهي في أيار 2026، يُعتقد أنها مرتبطة بجهات تابعة لدول معادية.
ثالثاً | التهيئة السياسية والعسكرية للمجتمع البريطاني
وهنا نصل إلى الدلالة الأهم في تصريحات وزير الدفاع.
فالتحذيرات المتكررة من تهديدات الأمن القومي قد تساعد الحكومة على تهيئة الرأي العام لتقبّل:
▪️ زيادة الإنفاق العسكري على حساب قطاعات مدنية أخرى.
▪️ توسيع الإجراءات الأمنية والرقابة على البنى التحتية.
▪️ اتخاذ قرارات اقتصادية ومالية صعبة تحت عنوان الأمن القومي.
▪️ تعميق الالتزامات العسكرية البريطانية ضمن حلف شمال الأطلسي.
هذا لا يعني بالضرورة أن الحكومة تختلق التهديدات، لكنه يؤكد أن للتحذيرات الأمنية انعكاسات سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة حماية المواطنين.
