أوروبا
شهدت سلاسل متاجر السوبرماركت في سبع دول أوروبية أعطالاً مفاجئة في أنظمة التبريد خلال الليل، في موجة جديدة من الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التشغيلية للمتاجر، وليس أنظمتها المعلوماتية التقليدية.
بحسب هيئة الإذاعة البريطانية BBC، تضرر نحو 40 متجراً تابعاً لسلسلة Delhaize في بلجيكا ولوكسمبورغ، فيما أكدت شركة Danfoss نفسها تأثر أكثر من 17 شركة في هولندا. كما أبلغت مجموعة K Group الفنلندية وشركات أخرى عن حوادث مشابهة.
واللافت هذه المرة أن الشركات بدأت تؤكد وقوع الاختراقات بصورة مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بالتكهن بشأن أسباب الأعطال.
في 11 تشرين الأول الماضي، استُخدم الأسلوب ذاته لاستهداف ما يصل إلى 700 متجر في فرنسا، بينها فروع لسلاسل Intermarché وNetto وCarrefour وMonoprix.
وبلغت الخسائر عشرات ملايين اليوروهات، بعدما ارتفعت درجات الحرارة داخل بعض وحدات التبريد إلى ما بين 50 و80 درجة مئوية، ما أدى إلى تلف كميات ضخمة من المواد الغذائية، بل واندلاع حرائق في بعض المعدات.
كيف نُفذ الهجوم ولماذا كانت كلفته منخفضة إلى هذا الحد؟
لم يستهدف المهاجمون أنظمة الحواسيب الرئيسية للمتاجر، بل وحدات التحكم الصناعية، المسؤولة عن تشغيل معدات التبريد وإدارتها.
وغالباً ما تتولى شركات صيانة خارجية تركيب هذه الأجهزة وإدارتها، من دون أن تمتلك إدارات المتاجر سيطرة تقنية مباشرة عليها.
المشكلة أن بعض وحدات التحكم تشغّل خوادم ويب يمكن الوصول إليها مباشرة عبر الإنترنت العام.
وكان باحثو الأمن السيبراني في فريق Claroty Team82 قد وثقوا في آب 2026 وجود آلاف الأجهزة المكشوفة، مع اعتماد عدد كبير منها بيانات دخول افتراضية أو ضعيفة، مثل اسم المستخدم وكلمة مرور تعتمد على التاريخ الحالي.
لم يحتج المهاجمون إلى اكتشاف ثغرات مجهولة. كل ما فعلوه هو إساءة استخدام وظيفة موجودة أصلاً داخل أنظمة التبريد، عبر إجبار الأجهزة على تشغيل دورة إزالة الجليد بصورة مستمرة.
والنتيجة: ارتفاع الحرارة، وتلف المواد الغذائية، وتعطّل التبريد.
لا حاجة إلى سرقة البيانات أو اختراق الأنظمة المالية؛ فالضرر هنا مادي واقتصادي مباشر.
وكان المركز الفرنسي للاستجابة للحوادث السيبرانية قد أصدر التحذير بعد الموجة الأولى، فيما سبق لشركة دانفوس نشر نشرة أمنية.
أي أن التحذيرات كانت علنية، لكن الأجهزة المكشوفة بقيت متصلة بالإنترنت.
ماذا يعني ذلك استراتيجياً؟
أولاً: سلاسل الإمداد الغذائي أصبحت هدفاً مباشراً للهجمات السيبرانية.
حتى تشرين الأول، كانت النقاشات حول استهداف البنية التحتية الحيوية تتركز على شبكات الكهرباء والمياه والمصارف.
أما اليوم، فقد بات جهاز تحكم صناعي لا تتجاوز قيمته بضع مئات من اليوروهات قادراً على تحديد ما إذا كانت المواد الغذائية في متاجر مدينة كاملة ستبقى صالحة للاستهلاك حتى الصباح.
ثانياً: الحلقة الأضعف قد تكون شركة صيانة لا يعرفها أحد.
فالمتاجر لا تستطيع دائماً تأمين أجهزة لا تملك إدارتها التقنية المباشرة، خصوصاً عندما تكون قد أوكلت تركيبها وصيانتها إلى شركات خارجية.
ويشبه ذلك أزمة «كولونيال بايب لاين» الأمريكية عام 2021: شركة تدير أكبر شبكة أنابيب وقود في الساحل الشرقي تعرضت لهجوم سيبراني، فأغلقت الأنابيب احتياطياً، فحدث نقص واسع في الوقود وهلع شراء. والمهم أن الهجوم لم يستهدف محطات الوقود نفسها، بل الجهة التي تدير البنية التشغيلية.
ثالثاً: الأجهزة القديمة هي المشكلة، وليس فقط هوية المهاجم.
بعض وحدات Danfoss القديمة لم تعد قابلة للحصول على تحديثات أمنية.
وبالتالي، لا يمكن معالجة المشكلة بمجرد تثبيت تحديث برمجي؛ بل يجب عزل الأجهزة عن الإنترنت أو استبدالها.
من يقف خلف الهجمات؟
حتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها. فالأسلوب المستخدم، القائم على كلفة منخفضة وإحداث ضجيج إعلامي وخسائر اقتصادية بدلاً من سرقة المعلومات، قد يناسب جهات مختلفة، من مجموعات إجرامية انتهازية إلى أطراف تسعى لإرسال رسائل سياسية أو أمنية.
لكن الصورة التقنية تبدو واضحة: أجهزة مكشوفة، وثغرات معروفة، وإجراءات حماية متاحة لم تُطبق على نطاق كافٍ.
وقوع موجة ثانية بعد ثلاثة أسابيع فقط، وفي عدد أكبر من الدول، يشير إلى أن كثيراً من المشغلين لم يعزلوا وحدات التحكم المعرضة للخطر عن الإنترنت.
وهنا تكمن المفارقة: أوروبا تنفق المليارات على الأمن السيبراني وحماية بنيتها التحتية، بينما يمكن لجهاز تحكم صغير ومهمل داخل متجر أن يتسبب بخسائر اقتصادية كبيرة.
المشكلة ليست دائماً في تطور المهاجم، بل في بساطة الثغرة التي تُترك مفتوحة رغم التحذيرات.

