لا يعكس الموقف الرسمي العراقي، الذي يميل عادةً نحو الرياض، المزاج العام في العراق. فهناك مسؤولون عراقيون يعلنون دعمهم الصريح للقضية اليمنية، ويقفون إلى جانب صنعاء، وتجلّى ذلك في مظاهرات شعبية رفعت راية "أنصار الله" بوضوح، تأكيداً للعلاقة التاريخية والجذرية بين العراق وعرب الجنوب.
ولم تكن هذه العلاقة مجرد مزاج شعبي أو تعاطف تاريخي، بل تحولت إلى تعاون فعلي على الأرض، بدأت ملامحه على الأقل منذ هجمات أرامكو في سبتمبر 2019، التي وجّهت فيها السعودية أصابع الاتهام نحو بغداد، قبل أن تصل الاتهامات السعودية إلى ذروتها في أبريل 2026.
فقد استدعت الرياض سفيرتها لدى بغداد على خلفية ما وصفته بـ"استمرار الاعتداءات"، وأعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير طائرات مسيرة قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية لاستهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض.
وبغض النظر عن الموقف الرسمي العراقي الذي يؤكد رفضه السماح باستخدام أراضيه منطلقاً لأي اعتداء يمس السعودية ودول المنطقة، فإن هذه الاتهامات تكشف أن الدعم العراقي لـصنعاء ليس مجرد تعاطف شعبي، بل حضور فعلي في المعادلة، يضع الحكومة العراقية بين ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، ومزاج شعبي وجزء من المشهد السياسي داعم للقضية اليمنية.
وفي هذا السياق، يبدو حضور ضابط عراقي بزيه الرسمي في جلسة لتحالف الرياض وكأنه خروج عن هذا الموقف، ويحمل في طياته بصمات المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، الذي يسعى إلى جرّ بغداد نحو الاصطفاف الكامل مع التحالف ضد اليمن، بما يخالف المزاج الشعبي وجزءاً من المشهد السياسي العراقي الداعم لـصنعاء.
فـبراك حمل إلى بغداد تحذيرات جديدة بشأن تحركات مجموعات مسلحة تعمل خارج التسلسل القيادي الرسمي للفصائل، وسط مخاوف من استخدامها لفتح جبهات عسكرية إقليمية بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني وأنصار الله.
وركزت الرسالة الأمريكية على ضرورة منع أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية، مع تشديد واشنطن على أن الحكومة العراقية ستكون مطالبة باتخاذ إجراءات استباقية تحول دون تحويل البلاد إلى منصة لهجمات عابرة للحدود.
وهكذا يقف المشهد العراقي اليوم عند مفترق طرق:
موقف رسمي يميل نحو الرياض ويلتقط أي إشارة لتطبيع العلاقات، مقابل شارع عراقي وجزء من القوى السياسية يتمسكون بالعلاقة التاريخية مع اليمن ويرون في أي انخراط عسكري ضد صنعاء خروجاً على الثوابت.
وبين هذا وذاك، تبقى لمسات توم براك واضحة في محاولة لإعادة ترتيب النفوذ وضمّ العراق إلى محور التهدئة، بما يخدم الرؤية الأمريكية للمنطقة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى موقف عراقي مستقل إلى جانب الحق اليمني وحكومة صنعاء.

