ثمة رواية خبيثة تتردد في كواليس بغداد، وتفوح منها رائحة التلاعب الخارجي والأجندات الإقليمية. إن الاندفاع المحموم نحو ما يُسمى علناً «حصر السلاح بيد الدولة» أو تنظيم فصائل الحشد ليس مجرد إجراء إداري بريء، بل هو خنجر موجّه إلى عنق السيادة العراقية وإلى أمن البلاد بأسره. وتحت العبارات الملطّفة، تسعى هذه الضغوط إلى تفكيك المؤسسة الدفاعية الأكثر فاعلية في البلاد، وجردها من قدراتها الاستراتيجية الحقيقية — كالطائرات المسيرة والمنظومات الصاروخية التي تؤرق الكيان الإسرائيلي وأمريكا والسعودية، تلك الدولة التي لا يخدمها عراق قوي ومستقر، والتي طالما عُرف عداؤها العلني وسعيها الدائم لتقويض أمن العراق. وفي المقابل، يُغضّ الطرف عن الفوضى المسلحة والسلاح المنفلت في مناطق أخرى.
🪧ازدواجية المعايير الفاسدة وجرد عناصر القوة
لنضع الوقائع على الطاولة بضوء ساطع:
• في قواطع العمليات المختلفة: يُلاحق الحشد الشعبي — بصفته كياناً قانونياً ومدمجاً رسمياً تنتشر تشكيلاته وقواته البطلة في الأنبار، الفلوجة، صلاح الدين، ديالى، ومختلف محافظات العراق للدفاع عن تراب الوطن — وتُطرح مشاريع جرد ترسانته الاستراتيجية وتحييد قدراته، فيما تتعرض قياداته وضباطه لمداهمات وإهانات متعمدة.
• في المقابل: تشهد بعض المناطق الأخرى تحركات لفصائل وجماعات غير خاضعة للرقابة، وتنسيقاً مع أجهزة أمنية أجنبية، من دون أن تطالها جهود الملاحقة أو الجرد بالجدية نفسها.
هذا ليس بناءً للدولة، بل انحياز سياسي وهندسة متعمدة لضرب مقومات القوة العراقية واختزال أوراق الدولة لصالح الإملاءات الخارجية.
🪪**استهداف الوجوه والأسماء: حرب أمنية بالمكشوف
أما الخطورة القصوى التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة وتحديداً بعد تسوية أزمة مدير الصنوف في هيئة الحشد الشعبي، القائد أكرم التميمي (أبو جعفر)، فتكمن في السؤال الأهم:
من أين تصدر هذه الأوامر القاضية باستهداف وإهانة قيادات الحشد❓
ولماذا يتم تسريب ونشر صور وأسماء وعناوين سكن قيادات أمنية رفيعة يُفترض أنها تعمل في ظل السرية وحماية الدولة❓
إن الكشف عن وجوه، أسماء، وعناوين سكن قيادات بحجم وطبيعة مهام "أبو جعفر" وغيره من ضباط الأركان لا يقل خطورة عن مساعي جرد السلاح الاستراتيجي؛ بل هو عملية مكشوفة لضرب منظومة الأمن الوطني عبر كشف هويات القيادات وجعلهم في بنك أهداف مباشر، وهو أمر تتجنب أي دولة تحترم نفسها ومؤسساتها الأمنية الوقوع فيه.
إنها بوضوح تام بداية لسلسلة استهدافات ممنهجة تهدف لكسر هيبة القيادات وتعريض حياتهم للخطر.
🙋سفاهة القيادة والتواطؤ المخزي: أين الدولة؟
ما يفاقم الكارثة ويجعل المشهد أكثر سوداوية هو السفاهة الواضحة في إدارة القائد العام للقوات المسلحة، والتي تتجلى في سياسة تحريض قوى أمنية ضد قوى أخرى، والتعامل ببرود تام وعدم اكتراث حين تتعرض القوى المسلحة الوطنية لضربات عدوانية خارجية.
والأكثر ذلاً وانحطاطاً في هذا المسار هو قيام الحكومة بـ زيارة الدولة المعتدية (السعودية) بعد أيام قليلة من العدوان في موقف مخزي ومذل يعكس حجم التبعية والانبطاح، ويثبت بقطع الدليل مدى غياب الكفاءة واختيار شخصيات غير مؤهلة لإدارة مناصب سيادية وحساسة تتقاطع فيها دماء العراقيين مع كرامة الوطن.
الحسابات الإقليمية: لماذا ينزعجون من الاستقرار؟
من الصعب التعامل مع هذا المسار بمعزل عن السياق الإقليمي الواسع.
إن الأطراف المتضررة من استقرار العراق — على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية — لا تريد عراقاً يمتلك سيادة استراتيجية أو منظومة ردع متكاملة.
⬅️منذ عام 2014، حين انهارت المنظومة التقليدية أمام هجمات داعش، كان الحشد الشعبي بفتوى المرجعية هو الدرع الذي أنقذ بغداد وحمى جميع أبناء الشعب بمختلف مكوناتهم.
⬅️ اليوم، يحاولون تفكيك هذا الإرث الدفاعي تدريجياً؛ فحتى محاولات التهدئة الحكومية أو تخفيف نبرة العداء لا تعجب هذه الدوائر، التي تبدو وكأنها تدفع نحو صدام محتوم ومفتوح يضرب الاستقرار الداخلي من أساسه.
📂الضرورة الاستراتيجية: بقاء الدولة أم الخضوع؟
إن الدفاع عن الحشد ومنظومته القيادية والسلاحية ليس ترفاً، بل هو دفاع عن بقاء الدولة ذاتها.
إن تفكيك الجاهزيّة العملياتية وجرد الأسلحة الاستراتيجية لا يخدم سوى هدف واحد:
عزل العراق عن حلفائه، وتعريضه للافتراس، وإخضاع قراره الأمني بالكامل للابتزاز الخارجي.
إذا كانت الدولة جادة في فرض القانون، فعليها أن تطبقه بالمعيار نفسه على الجميع. أما استهداف قيادات الحشد وكشف أسرارهم الأمنية لصالح أجندات خارجية، فليس سوى مغامرة خطيرة تهدد الاستقرار الداخلي وتفرّط بسيادة الوطن.
ويتحمل المسؤولية التاريخية كل من يختار خدمة المصالح الأجنبية على حساب دماء العراقيين وكرامة بلدهم.

