«تجوّلنا داخل فوردو» — ماذا كان الموساد يعرف قبل أن تقصف أميركا المنشأة؟

كشف رئيس الموساد السابق يوسي كوهين أن إسرائيل
«تجوّلت مرات عديدة داخل منشأة فوردو النووية»
لفهم الموقع، وأن القصف الأميركي للمنشأة حقق، على حد تعبيره،
«كل أحلامه»
لكن خلف هذا التصريح توجد أسئلة أخطر بكثير من العبارة نفسها.
🕵️ أولاً: ماذا يعني «تجوّلنا داخل فوردو»؟
لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة على أن عملاء الموساد دخلوا قاعة التخصيب المحصنة تحت الجبل كما يدخل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن ما هو موثق أكثر بكثير هو الاختراق الاستخباري الإسرائيلي العميق لإيران.
فبحسب تقارير إسرائيلية وأميركية، عمل الموساد لسنوات على تجنيد مصادر داخل إيران، وجمع المعلومات عن المنشآت النووية والعسكرية، وتحديد نقاط الضعف والمسارات والأهداف. كما كشفت تقارير عن عمليات سرية تضمنت طائرات مسيّرة وأسلحة تم تهريبها مسبقاً إلى إيران.
بل إن تقارير عن مشروع استهداف فوردو تحدثت عن سنوات من التحضير وقدرات بشرية سرية داخل إيران للتعامل مع المنشأة شديدة التحصين.
إذن، عبارة كوهين لا ينبغي قراءتها حرفياً من دون دليل؛ لكنها تعكس شيئاً أكثر خطورة: أن إسرائيل امتلكت شبكة استخبارية قادرة على دراسة المنشأة من الداخل أو من محيطها بدرجة لم تكن ممكنة عبر صور الأقمار الصناعية وحدها.
🇺🇸🇮🇱 ثانياً: هل كان هناك تعاون استخباري أميركي ـ إسرائيلي؟
نعم، هناك أدلة علنية على تعاون استخباري وعسكري وثيق، لكن يجب التمييز بين التعاون المثبت وبين الادعاء بأن الولايات المتحدة كانت تدير شبكات الموساد داخل فوردو.
الولايات المتحدة وإسرائيل تبادلتا معلومات استخبارية حول البرنامج النووي الإيراني، كما أن الضربة الأميركية على فوردو جاءت ضمن عملية أوسع سبقتها سنوات من العمل الاستخباري الإسرائيلي.
وتشير تقارير إلى أن إسرائيل أخطرت الرئيس الأميركي قبل بدء العملية، بينما أكدت مصادر أميركية وإسرائيلية وجود تنسيق واسع في الحرب. كما استخدمت إسرائيل معلومات بشرية وتقنيات ذكاء اصطناعي لمعالجة كميات ضخمة من البيانات وتحديد الأهداف.
والأكثر دلالة أن Stuxnet، الذي دمّر أجهزة طرد مركزي إيرانية في العقد الماضي، يُعتقد على نطاق واسع أنه كان ثمرة تعاون أميركي ـ إسرائيلي.
لكن لا يوجد دليل علني حاسم يثبت أن عملاء أميركيين كانوا يتجولون مع عملاء الموساد داخل فوردو.
⏱️ ثالثاً: لماذا يُكشف هذا الآن؟
التوقيت مهم.
كوهين لا يتحدث عن عملية عادية؛ بل عن سنوات من بناء القدرة الاستخبارية التي سبقت الضربة الأميركية على فوردو.
كما أن رواية «فوردو» أصبحت جزءاً من معركة سياسية واستخبارية حول من حقق ماذا في الحرب: إسرائيل التي بنت بنك الأهداف والاختراق الاستخباري، أم الولايات المتحدة التي امتلكت القنبلة القادرة على ضرب المنشأة شديدة التحصين؟
لذلك يمكن قراءة تصريحات كوهين أيضاً باعتبارها إعادة كتابة للرواية الاستراتيجية للحرب:
إسرائيل تقول عملياً: أميركا امتلكت القنبلة، لكننا امتلكنا العين التي أخبرتها أين وكيف تضرب.
وهذا ليس تفصيلاً صغيراً.
رابعاً: هل تم اختراق منشآت أخرى؟
نعم، والمؤشرات أقوى هنا.
التقارير تشير إلى أن النشاط الاستخباري الإسرائيلي لم يكن محصوراً بفوردو. نطنز وأصفهان كانتا ضمن بنك الأهداف، كما استهدفت إسرائيل مواقع مرتبطة بتطوير الصواريخ والبرنامج النووي والكوادر العلمية.
وفي عام 2018 نفذ الموساد عملية سرقة الأرشيف النووي الإيراني من طهران، وهي عملية أكدت إسرائيل تفاصيلها لاحقاً، وشارك فيها عملاء غير إسرائيليين وفق رواية كوهين.
كما تؤكد تقارير لاحقة أن إسرائيل عملت لسنوات على اختراق البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وأن المعلومات التي جمعتها ساعدت في تحديد أهداف الضربات .
الخلاصة
القصة الحقيقية ليست أن «جواسيس إسرائيليين دخلوا فوردو» وحسب.
القصة الأخطر هي أن إسرائيل بنت على مدى سنوات منظومة استخبارية متعددة الطبقات داخل إيران: مصادر بشرية، تجسس تقني، مراقبة، عمليات تخريب، طائرات مسيّرة، بيانات استخبارية، وذكاء اصطناعي لتحليلها.
ثم جاءت الولايات المتحدة لتوفر ما لم تكن إسرائيل تملكه بسهولة: القوة التدميرية اللازمة لضرب أعمق منشأة نووية إيرانية.
وهنا السؤال الذي يجب ألا يُدفن تحت أنقاض فوردو:
إذا كان الموساد يعرف المنشأة بهذه الدرجة من التفصيل، فكم منشأة إيرانية أخرى كان يعرفها؟ وكم منها لم يُكشف عنه بعد؟
والسؤال المقابل أكثر خطورة:
إذا كانت إسرائيل قد أمضت سنوات في بناء شبكة تجسس داخل إيران، فهل كانت الحرب التي شاهدناها في يونيو بداية العملية فقط — أم كانت لحظة كشف علني لعملية استخبارية بدأت قبلها بسنوات؟