عشية الذكرى السنوية الثالثة لهجمات 7 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تحذيراً استثنائياً للإسرائيليين واليهود في الخارج، مدعياً وجود خطر متزايد من هجمات قد تنفذها إيران وحلفاؤها وحركة حماس وتنظيمات ما يُسمى
بـ”الجهاد العالمي”.
وطُلب من الإسرائيليين عدم نشر خطط سفرهم مسبقاً، والابتعاد عن التظاهرات، وتجنب الكشف عبر الإنترنت عن خدمتهم العسكرية، بل وحتى الحد من التحدث باللغة العبرية في الأماكن المزدحمة في بعض الدول. كما أوصى المجلس بشدة بتجنب السفر إلى الأردن وقطر وصوماليلاند ومصر، بما في ذلك سيناء.
قد تكون هناك بالفعل تهديدات أمنية حقيقية، وأي هجمات تستهدف مدنيين إسرائيليين أو يهوداً في أي مكان في العالم يجب إدانتها دون تردد.
لكن هناك بُعد آخر لهذا الخطاب يستحق التوقف عنده.
إسرائيل باتت بصورة متزايدة تقدم عالماً غاضباً من سياساتها وكأنه عالم يهدد الإسرائيليين أنفسهم.
فالاحتجاجات ضد الاحتلال، والتظاهرات المتعلقة بغزة، ومعارضة العمليات العسكرية الإسرائيلية، والغضب من الاستيطان، توضع مراراً ضمن الخطاب الأمني نفسه إلى جانب الإرهاب وإيران والتنظيمات الجهادية.
وهذا التمييز مهم.
الشخص الذي يتظاهر ضد إسرائيل ليس بالضرورة معادياً للسامية.
والحكومة التي تنتقد السياسات الإسرائيلية لا يعني أنها تدعم حماس.
ومعارضة الاحتلال ليست إرهاباً.
لكن سياسياً، فإن دمج كل هذه الفئات في إطار واحد يحقق أثراً واضحاً: تظهر إسرائيل من جديد باعتبارها الطرف المهدد والضحية الأساسية، بينما تختفي في الخلفية الأسباب التي دفعت ملايين الناس حول العالم إلى الاحتجاج على سياساتها.
ولا يمكن إنكار أن المزاج الدولي قد تغير بصورة كبيرة منذ 7 أكتوبر 2023.
أظهر استطلاع لمركز Pew Research Center نُشر في يونيو 2026 أن الأغلبية في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع تحمل نظرة سلبية تجاه إسرائيل، كما تراجعت الثقة ببنيامين نتنياهو إلى مستويات شديدة الانخفاض. وحتى داخل الولايات المتحدة، أظهر الاستطلاع أن المواقف تجاه الحكومة الإسرائيلية والإسرائيليين أنفسهم أصبحت أكثر سلبية بكثير مقارنة بالسنوات التي سبقت حرب غزة.
هذا التحول لم يحدث ببساطة لأن إسرائيل أصبحت فجأة سيئة في إدارة صورتها الإعلامية.
بل جاء بعد سنوات شاهد فيها العالم دمار غزة، ومقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والنزوح الجماعي، واتساع الاستيطان، وصعود قيادة سياسية إسرائيلية أكثر تصادماً وعدوانية. وبعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، حتى تقارير وسائل إعلام غربية كبرى باتت تقر بوجود فجوة هائلة بين النظرة الإسرائيلية القائمة على شعور دائم بالتهديد الوجودي، وبين تركيز الرأي العام الدولي على معاناة الفلسطينيين.
وفي تظاهرات وحركات سياسية في عدد متزايد من الدول، بات أشد منتقدي إسرائيل يصفونها علناً بأنها “دولة إرهابية”، في مؤشر واضح على مدى الانهيار الذي أصاب صورتها الدولية.
الخطر اليوم هو أن السلطات الإسرائيلية تفسر هذا الرفض العالمي بالكامل تقريباً من زاوية أمنية: إذا تظاهر الناس ضد إسرائيل فهم
“خطر”،
وإذا مارست الحكومات ضغوطاً عليها فهي
“معادية”،
وإذا واجه ناشطون مسؤولين إسرائيليين في الخارج، فإن إسرائيل تصبح مجدداً الطرف الذي يتم
“استهدافه”.
وهذا يهدد بتحويل المعارضة الدولية المشروعة للاحتلال والسياسات العسكرية الإسرائيلية إلى مواجهة أمنية دائمة مع العالم كله.
وفي النهاية، على الإسرائيليين العاديين أن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً صعباً:
هل يمكن فعلاً أن يصبح العالم بأسره معادياً لإسرائيل بلا سبب؟ أم أن سياسات الدولة الإسرائيلية نفسها باتت تخلق نتائج لم تعد التحذيرات الأمنية واتهامات معاداة السامية قادرة على إخفائها؟
لا ينبغي تحميل المدنيين اليهود في العالم مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية.
لكن في المقابل، لا يجوز التعامل مع بقية العالم باعتباره تهديداً أمنياً لمجرد أن أعداداً متزايدة من الناس ترفض الصمت عن الاحتلال وغزة وحقوق الفلسطينيين.

