يشهد الهيكل المالي والجيوسياسي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي هيمنت عليه القوى الغربية، تحولاً كبيراً. وتُبرز المقارنة المباشرة بين مجموعة بريكس ومجموعة السبع إعادةَ توازن هيكلية في النفوذ العالمي. فلم تعد الاقتصادات الصاعدة تقبل بالعمل وفق الشروط التي يفرضها الشمال العالمي، بل بدأت ببناء شبكات بديلة لحماية سيادتها، وتعزيز نموها الاقتصادي، وضمان أمنها المالي على المدى الطويل.

1️⃣ الوقوف على «الجانب الصحيح من التاريخ»

يجسّد الموقف الذي عبّر عنه الرئيس الصيني شي جين بينغ، والقائل بضرورة أن تقف دول بريكس «بحزم على الجانب الصحيح من التاريخ»، التوجه السياسي الذي يدفع المجموعة إلى الأمام.

وبدلاً من البقاء أطرافاً هامشية داخل مؤسسات تقودها الدول الغربية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تعمل بريكس على ترسيخ إطار متعدد الأقطاب.

ومع توسعها رسمياً إلى صيغة BRICS+، التي تشمل اقتصادات في أميركا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، أصبحت المجموعة تمثل نحو نصف سكان العالم وحوالي 41% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق تعادل القوة الشرائية (PPP)، الأمر الذي يعيد تشكيل ديناميات الحوكمة العالمية بصورة جوهرية.

2️⃣ التخلص التدريجي من هيمنة الدولار والاستقلال المالي

تتطلب السيادة الاقتصادية استقلالاً مالياً. ويعكس دفع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نحو ربط أنظمة الدفع الوطنية وتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة خطوةً مهمة باتجاه تقليص الاعتماد على هيمنة الدولار.

وتوفر مبادرات مثل ربط شبكات الدفع السريع، بما في ذلك Upi الهندية وPix البرازيلية ومنظومات الدفع الرقمية الصينية، إلى جانب اختبار قابلية التشغيل البيني للعملات الرقمية للبنوك المركزية (Cbdcs)، بدائل مباشرة لمنظومة سويفت (SWIFT) وغرف المقاصة التقليدية التي تهيمن عليها المؤسسات الغربية.

ومن خلال تسوية التجارة الثنائية مباشرة بالعملات المحلية، وهي آلية تُستخدم بالفعل في جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع داخل المجموعة، تسعى دول بريكس إلى حماية اقتصاداتها من العقوبات الأحادية، والتلاعب بالعملات، وأدوات الضغط الاقتصادي الخارجي.

3️⃣ القوة الصلبة والديموغرافيا: بريكس في مواجهة مجموعة السبع

يظهر التوتر الجيوسياسي بين الكتلتين بوضوح في المؤشرات الاقتصادية والبشرية والعسكرية:

القوى البشرية والديموغرافيا:

تمتلك دول بريكس أكثر من 7.5 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، مقارنة بنحو 2.4 مليون لدى مجموعة السبع. ومع الثقل الديموغرافي الهائل، يمتلك الجنوب العالمي موارد بشرية وقدرات صناعية واسعة.

الإنفاق العسكري والكفاءة:

بينما تتقدم مجموعة السبع حالياً في إجمالي الإنفاق العسكري، بنحو 1.37 تريليون دولار مقابل حوالي 800 مليار دولار لبريكس، فإن احتساب القوة الشرائية لميزانيات الدفاع داخل بريكس قد يمنحها قدرة أكبر على تحقيق قيمة عسكرية مقابل كل دولار يتم إنفاقه.

الهدف الاستراتيجي:

تركز ميزانيات الدفاع في مجموعة السبع بدرجة كبيرة على الحفاظ على القدرة على إسقاط القوة عالمياً، بينما يتركز الإنفاق في دول بريكس بصورة أكبر على الدفاع عن الأراضي، والأمن الإقليمي، وحماية البنية التحتية الحيوية للتجارة في مواجهة الضغوط الخارجية.

🔴 نحو مستقبل متعدد الأقطاب

لم تعد المعركة على النفوذ العالمي مجرد فرضية نظرية. فمن خلال الجمع بين الثقل الديموغرافي، والمواقع المحورية في سلاسل إمدادات الموارد العالمية، وبناء بنى تحتية مستقلة للدفع، والقدرات العسكرية الضخمة، تعمل بريكس على بناء هندسة اقتصادية ومالية موازية وأكثر قدرة على الصمود.

ولا يتعلق هذا التحول بمجرد منافسة الغرب، بل بالسعي إلى إقامة نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، تتمتع فيه الدول غير الغربية بقدرة أكبر على التحكم في خياراتها الاستراتيجية والاقتصادية وتحديد مصائرها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.