تستمر التناقضات الصارخة داخل أروقة القرار الإيراني في إرسال إشارات ارتباك واضحة إلى المجتمع الدولي. ففي الوقت الذي حاول فيه الرئيس مسعود بيزشكيان استمالة الغرب عبر تلميحات دبلوماسية مرنة في نيويورك تعكس رغبة طهران في إنهاء التصعيد واقتراح اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز قبل الانتخابات الأمريكية، سارعت المؤسسة الحاكمة والمسؤولون الإيرانيون إلى نسف هذه الوعود علناً عبر وكالة "رويترز". التأكيد الإيراني السريع بأنه

"لن تكون هناك أي تنازلات عن البرنامج النووي حتى لو تم التوصل لاتفاق بشأن المضيق"

يعكس شرخاً سياسياً حاداً يضعف موقف إيران الجيوسياسي.

من منظور استراتيجي، فإن ما أقدم عليه بيزشكيان بتقديم إشارات مرونة ثم مواجهته بتكذيب وإحباط داخلي فورية لا يُظهر فقط غياب التنسيق بين الرئاسة ومراكز القوة الفعلية (كالمرشد والحرس الثوري)، بل يُجرّد طهران من أهم أوراق القوة التي تملكها.

أبرز تداعيات هذا التضارب الجيوسياسي:

• تآكل مصداقية التفاوض: عندما يتحدث الرئيس بلغة الاستعداد للتسوية ويُناقضه مسؤولون آخرون في اليوم التالي، فإن أي طرف دولي—وعلى رأسه واشنطن—سيتعامل مع الرئاسة الإيرانية كواجهة بلا صلاحيات حقيقية.

• خسارة ورقة هرمز الاستراتيجية: إغلاق أو تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز كان يُفترض أن يكون ورقة ضغط قصوى لإرغام الغرب على رفع الحصار والعقوبات. لكن ربط هذه الورقة بمواقف متضاربة ونشر شروط متصلبة حول عدم التفاوض على تخصيب اليورانيوم يُفرغ هذه الأداة الضغطة من قدرتها على تحقيق مكاسب سياسية ملموسة.

• إظهار ضعف الجبهة الداخلية: تعكس هذه الواقعة صراعاً حاداً بين التيار المحافظ الذي يرفض المساس بالتخصيب وتقديم أي تنازلات، وبين الرئاسة التي تحاول تخفيف الضغط الاقتصادي والعسكري الخانق على البلاد.

إن النهج الذي يتبعه بيزشكيان عبر إطلاق تصريحات مرنة دون غطاء كافٍ من مراكز القوة في طهران يخدم العزلة الإيرانية بدلاً من فكها. هذا التناقض المستمر يبدد قدرة إيران على المناورة، ويجعل من القوة النووية وموقع هرمز الجغرافي عبئاً سياسياً يضر بهيبة الدولة ويُضعف موقفها التفاوضي على الساحة الدولية.