هناك شيء غير اعتيادي يحدث في قطاع السياحة الأميركي.
فبينما استعادت حركة السفر الدولية عافيتها في أجزاء واسعة من العالم، تتحرك الولايات المتحدة في الاتجاه المعاكس. وقد لخّص جيف فريمان، رئيس جمعية السفر الأميركية، الوضع بعبارة لافتة:
«نحن الدولة الكبرى الوحيدة في العالم التي تخسر أعداد الزوار. الأمر محيّر فعلاً.»
ويجب فهم هذا الكلام باعتباره تقييماً صادراً عن واحدة من أبرز الجهات الممثلة لصناعة السفر الأميركية، لا كتصنيف رسمي صادر عن الأمم المتحدة. لكن التراجع نفسه حقيقي وواضح.
الأرقام أصبحت أصعب من أن تُتجاهل.
في أغسطس 2026، انخفض عدد الزوار القادمين من خارج الولايات المتحدة بنحو 11.8% مقارنة بأغسطس 2025، بينما بقي العدد منذ بداية العام أقل بنحو 5.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وجاء هذا بعد ضعف في حركة الزوار الدوليين خلال يونيو ويوليو، رغم أن الولايات المتحدة استضافت معظم مباريات كأس العالم 2026.
وتتوقع جمعية السفر الأميركية أن تخسر الولايات المتحدة نحو مليوني زائر من الخارج خلال 2026 مقارنة بالعام الماضي، ما يجعل حركة السياحة الدولية أقل بحوالي 20% من ذروتها المسجلة عام 2019.
وبعض أكبر الانخفاضات لا تأتي من خصوم واشنطن، بل من حلفائها التقليديين:
الزوار من كندا: انخفاض بنحو 23% خلال عامين
ألمانيا: انخفاض يقارب 16% هذا العام
فرنسا: انخفاض يقارب 15% هذا العام
وهذا يقول شيئاً مهماً.
القضية لم تعد مجرد قصة سياحية.
إنها تتحول إلى قصة عن صورة الولايات المتحدة في العالم.
لعقود، سوّقت الولايات المتحدة نفسها باعتبارها بلداً يحلم الناس بزيارته: نيويورك، كاليفورنيا، فلوريدا، لاس فيغاس، واشنطن، الحدائق الوطنية، وكل الأسطورة المرتبطة بـ«الحلم الأميركي».
اليوم، أصبح بعض المسافرين المحتملين يربطون دخول الولايات المتحدة بالسفر المكلف، والتشدد في إجراءات الهجرة، وعدم وضوح الحصول على التأشيرات، والتوتر السياسي، والقلق مما قد يحدث لهم عند الحدود.
وقد أثار مسؤولو قطاع السياحة بالفعل مخاوف تتعلق بارتفاع أسعار تذاكر الطيران، وطول إجراءات التأشيرات، وتشدد سياسات الهجرة وارتفاع تكاليف الدخول.
حتى كأس العالم 2026 لم ينجح سوى في تخفيف المشكلة مؤقتاً.
فقد تحسنت أعداد الزوار الأجانب في المدن الأميركية المستضيفة خلال البطولة، لكن الصورة على المستوى الوطني بقيت ضعيفة.
وبعد انتهاء البطولة، انخفض عدد القادمين من الخارج في أغسطس بأكثر من عشرة بالمئة.
قارن ذلك بما يفعله المنافسون.
الصين توسع برامج الإعفاء من التأشيرات لجذب مزيد من الزوار الأجانب، واليابان تواصل الاستفادة من شعبيتها العالمية ومن ظروف العملة الملائمة للسائح.
أما الولايات المتحدة، فتحاول في الوقت نفسه أن تقول للأجانب: نريد أموالكم السياحية، بينما تجعل الدخول إليها أكثر تعقيداً وأكثر ارتباطاً بالتوترات السياسية.
والتراجع لم يبدأ بالأمس.
فبحسب مجلس السفر والسياحة العالمي، كان عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة قد انخفض بالفعل بنحو 5.5% في 2025، بينما تراجع إنفاق السياح الأجانب بنحو 4.6% إلى حوالي 176 مليار دولار.
ومع ذلك، تبقى الولايات المتحدة أكبر اقتصاد للسفر والسياحة في العالم إجمالاً، ويرجع ذلك أساساً إلى ضخامة السوق السياحية الداخلية التي تخفف من أثر تراجع الزوار الأجانب.
وهنا يجب التمييز:
السياحة الأميركية كقطاع لا تنهار.
الأميركيون أنفسهم لا يزالون يسافرون وينفقون، بل إن إجمالي الإنفاق على السفر داخل الولايات المتحدة ارتفع على أساس سنوي في أغسطس.
ما تخسره أميركا تحديداً هو الزوار الأجانب وحصتها من سوق السياحة العالمية.
والسياحة في النهاية شكل من أشكال القوة الناعمة.
السائح الذي يزور بلداً ينفق في مطاعمه وفنادقه، ويتعرف على سكانه وثقافته، وغالباً يعود إلى بلده بصورة مختلفة عما كان يتخيله قبل الزيارة.
لذلك، عندما يقرر ملايين الأشخاص عدم القدوم، فالمشكلة لا تتعلق فقط بحجوزات الفنادق وتذاكر الطيران.
إنها أيضاً إشارة تحذير تتعلق بالسمعة الدولية.
لسنوات طويلة، تصرفت واشنطن وكأن المواجهات السياسية والحروب والتوترات في الخارج لن تكون لها تكلفة حقيقية على جاذبية الولايات المتحدة في الداخل.
لكن أرقام السياحة تقول شيئاً مختلفاً.
يمكنك امتلاك أقوى جيش في العالم، وأكبر اقتصاد سياحي، وبعض أشهر مدن العالم… لكنك لا تستطيع إجبار الأجانب على الشعور بأنهم مرحب بهم.
وعندما يبدأ المسافرون في التصويت بجوازات سفرهم، حتى القوة العظمى تلاحظ ذلك في النهاية.
حمّى الذهب الصينية | أكثر من 1,000 طن خلال ثمانية أشهر فقط
استوردت الصين أكثر من 1,000 طن من الذهب بين يناير وأغسطس 2026، متجاوزة بالفعل إجمالي وارداتها خلال عام 2025 بالكامل. وبلغت قيمة هذه الواردات نحو 158.8 مليار دولار وفق بيانات الجمارك الصينية التي نقلتها تقارير مالية حديثة.
لكن هناك نقطة مهمة: هذه الألف طن لم يشترها البنك المركزي الصيني وحده. فبنك الشعب الصيني أضاف رسمياً نحو 80 طناً فقط خلال الفترة نفسها، بينما جاء الجزء الأكبر من الطلب من المستثمرين والبنوك والمؤسسات والسوق الخاص داخل الصين.
وفي الوقت نفسه، تراجعت حيازة الصين من سندات الخزانة الأميركية إلى نحو 618 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ 2008.
هذا لا يعني بالضرورة أن بكين تبيع السندات الأميركية مباشرة لشراء الذهب، لكن الاتجاه العام واضح: الصين تقلل تدريجياً من تعرضها للأصول المقومة بالدولار، بينما يزداد وزن الذهب داخل نظامها المالي.
القصة الأهم ليست أن الصين تشتري الذهب فقط.
بل إن واحدة من أكبر اقتصادات العالم تراقب نظاماً مالياً وجيوسياسياً أكثر اضطراباً — حروب، عقوبات، تجميد احتياطات، واستخدام العملات كأداة ضغط — وتمنح أهمية أكبر لأصل لا يمكن طباعته ولا تجميده بقرار من بنك مركزي أجنبي.
الابتعاد عن هيمنة الدولار لن يحدث بين ليلة وضحاها.
لكن دخول أكثر من 1,000 طن من الذهب إلى الصين خلال ثمانية أشهر فقط ليس إشارة صغيرة.

