#️⃣`الجزء الثالث`

الأستار الخفية لملفات الفساد: قضية نور زهير

من أبرز الأستار الخفية لتمرير قوانين "السلة الواحدة" (وتحديداً العفو وتعديلاته) هو توفير الغطاء لملفات الفساد الكبرى التي تورط فيها الكثير من السياسيين.

نور زهير، المعروف بـ"أبو فاطمة"، هو رجل أعمال صاحب شركتي "القانت" و"المبدعون"، ويُعد المتهم الرئيسي في قضية "سرقة القرن" -أكبر قضية فساد مالي في تاريخ العراق- المتمثلة في سحب أموال الأمانات الضريبية من مصرف الرافدين بطرق غير قانونية بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022.

اعتُقل نور زهير في مطار بغداد الدولي في 24 نوفمبر 2022، لكنه أُطلق سراحه لاحقاً بموجب اتفاق بين رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وبموافقة القاضي المختص، مقابل تعهده بإعادة الأموال على دفعات.

استُردّ منه 365 مليار دينار فقط من أصل أكثر من 1.6 تريليون دينار، قبل أن يغادر العراق وتتوقف عمليات السداد، فصدر بحقه حكم غيابي بالسجن عشر سنوات في نوفمبر 2024.

ما يهم هنا ليس مصير نور زهير الشخصي، بل الغطاء القانوني الذي حصل عليه من أصدر قرار إطلاق سراحه.

فإطلاق السراح في 2024 لم يكن يستند إلى أي غطاء تشريعي واضح، مما وضع من أصدره في موضع المساءلة القانونية.

لكن قانون التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016، الذي مُرر في 21 يناير 2025، جاء ليمنح هذا النوع من الإجراءات شرعية قانونية لاحقة.

فقد نص القانون صراحة على

أن جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وهدر المال العام والفساد المالي والإداري تُعفى إذا سدّد المحكوم ما بذمته من أموال.

وبعد صدور هذا التعديل، تقدم محامي نور زهير بطلب لشمول موكله بالقانون "مقابل إكمال عملية تسديد بقية المبلغ المترتب بذمته"، وهو طلب لا يزال معلقاً في انتظار موافقة وزارة المالية.

وهكذا، تحول من أصدر قرار إطلاق السراح من شخص قد يكون عرضة للمساءلة إلى شخص يستند إلى قانون يمنحه غطاءً لما فعله.

والأخطر من ذلك، أن هذا القانون لا يقتصر على نور زهير وحده، بل ينص صراحة على أن جرائم الفساد المالي تُعفى إذا سدّد المحكوم ما بذمته.

وقد أكد مجلس القضاء الأعلى أن 12 موظفاً في هيئة الضرائب صدرت بحقهم أحكام حضورية بالسجن "يمكن شمولهم بقانون العفو بعد تسديد قيمة التعويض"، كما صدرت أحكام غيابية بحق مدير مكتب رئيس الوزراء السابق وعدد من المستشارين، مع الإشارة إلى أن "جميع هؤلاء ممكن شمولهم بقانون العفو في حال تسديد ما ترتب بذمتهم من مبالغ".

وهذا يعني أن الغطاء القانوني الذي حصل عليه من أطلق سراح نور زهير لم يمنح شرعية لإجراء سابق فحسب، بل أنشأ آلية دائمة يمكن بموجبها لأي فاسد محكوم -بمن فيهم الهارب نور زهير نفسه- أن يطمع في شموله بالعفو إذا سدّد ما بذمته، وهو ما يكشف أن قانون العفو العام لم يكن مجرد صفقة تشريعية عابرة، بل هندسة قانونية لتحويل قضايا الفساد الكبرى من ملفات عقابية إلى ملفات مالية قابلة للتسوية.