تقاطع الحق والقوة: صعود وسقوط أول حكومة وطنية للنفط في فخاخ الاستعمار

#️⃣الجزء الأول
مقدمة: حلم ألهم الجنوب العالمي
يعج تاريخ الشرق الأوسط الحديث بأحداث تبدو كأنها تتنبأ بالمستقبل. فلم تكن قصة تأميم صناعة النفط الإيرانية في بدايات خمسينيات القرن العشرين مجرد نزاع اقتصادي بين دولة وشركة استعمارية، بل كانت حكاية أول انتفاضة كبرى مناهضة للاستعمار في «الجنوب العالمي»، لترسم نموذجاً ملهماً للأحرار والشعوب المقهورة حول العالم.
لقد جاءت هذه الحركة لتثبت أن الثروات الوطنية تملكها الشعوب لا الإمبراطوريات. لكن هذا الحلم الكبير سحق في أقل من ثلاث سنوات بين تروس المؤامرات الخارجية، والفخاخ الدبلوماسية، والأخطر من ذلك، الانشقاقات الداخلية المدمرة.
إن قراءة هذه المأساة هي استذكار متكرر للتاريخ لندرك لماذا يفتح الاستعمار أبواب الدار من الداخل قبل أن يوجه ضربته الخارجية.
1. من العقود الاستعمارية إلى هبة الإرادة الوطنية (مارس 1951)
في أواخر عام 1950، وبدعم من الوعي الشعبي المتنامي والتاثر بالاتفاقيات النفطية الجديدة في فنزويلا والمملكة العربية السعودية، أدرك المجتمع الإيراني مدى جحور النماذج السابقة لاستخراج الثروة.
وفي خضم ذلك، كان البلاط وأنصار المصالح الأجنبية يسعون لتوقيع عقد استعماري جديد (بهدف الحفاظ على مصالح شركة النفط وتمديدها) ليحل محل اتفاقية 1933 منتهية الصلاحية.
لكن الرأي العام والنخب الواعية، بقيادة شخصيات مثل دكتور حسين فاطمي (الذي لم يكن مجرد صحفي، بل كان ممثلاً مؤثراً وجريئاً في البرلمان)، لم يعودوا يرضون بهذه الإصلاحات الحدية والمكاسب الزهيدة.
لكن الرأي العام والنخب الواعية، بقيادة شخصيات مثل مصدق وفاطمي (الصحفي والنائب الشاب الذي يُنسب إليه طرح فكرة تأميم النفط لأول مرة)، لم يعودوا يرضون بهذه الإصلاحات الحدية والمكاسب الزهيدة.
ورغم اتفاقهما التام على أصل التأميم، إلا أن فاطمي والتيار الذي يمثله كانا أكثر راديكالية وجذرية بكثير؛ فلم يقتصر الأمر على المطالبة بالسيادة النفطية الكاملة وقطع دابر الشركة البريطانية فحسب، بل حمل فاطمي رؤية مناهضة للبلاط الملكي ومطالب أعمق بكثير من سقف سياسات مصدق.
كان الجنرال علي رزمآرا، رئيس الوزراء آنذاك، مدافعاً شرساً عن توقيع العقود الاستعمارية، ومارس ضغوطاً في وجه الإرادة الشعبية متبجحاً بالقول المهين إن:
«الإيرانيين لا يمتلكون القدرة حتى على صنع إبريق»❗️
لكن في 16 مارس 1951، وضعت رصاصات فدائيي الإسلام حدا لحياة رزمآرا، لتزيل أكبر سد منيع في طريق الإرادة الوطنية.
وبإزاحته، انصدعت جدران كبت الحريات وانطلقت الإرادة الشعبية بزخم كبير؛ حتى إن قاتله أُفرج عنه لاحقاً بذريعة أن فعله جاء في خدمة المصالح الوطنية.
فتح هذا الفراغ السياسي الباب أمام مصادقة البرلمان على مشروع تأميم النفط في 24 مارس 1951، وأخيراً في 29 مارس 1951، وبموافقة مجلس الشيوخ نهائياً، تم حل شركة النفط الإيرانية البريطانية السابقة (AIOC) وولادة شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) رسمياً.
2. الحصار البحري الخانق واللجوء إلى محكمة لاهاي
فور تأميم صناعة النفط، فرضت بريطانيا العظمى على الفور حصاراً بحرياً حديدياً على إيران. وكانت ذريعة لندن هي اعتبار قانون تأميم النفط «مصادرة غير قانونية لممتلكات شركة خاصة».
وبدعم من الأسطول الحربي الملكي في الخليج الفارسي، والتحذيرات الموجهة لناقلات النفط، وامتناع شركات التأمين العالمية عن تغطية السفن المتجهة إلى إيران، بنت بريطانيا حصاراً محكماً لإيصال صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.
في مواجهة هذا الهجوم الاقتصادي والميداني، قرر الدكتور مصدق، باعتباره قانونياً بارعاً، اللجوء إلى أدوات القانون الدولي؛ فرفع نزاع بلاده مع بريطانيا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وحقق نصراً قانونياً لإيران في يوليو 1952.
غير أن هذا النصر الحقوقي الكبير اصطدم فوراً بطريق مسدود على أرض الواقع، ليثبت أن «القرارات الورقية» تظل هشّة وعاجزة أمام غطرسة القوى إذا خلت من مقومات الردع الميداني.
3. ملحمة يوليو 1952؛ انتصار الوحدة الوطنية والدينية
في يوليو 1952 نفسه، نشبت أزمة داخلية طاحنة؛ حيث اختلف مصدق مع البلاط حول السيطرة على وزارة الحرب، فاستقال ليقوم الشاه بتنصيب قوام السلطنة بهدف مصادرة المكاسب الوطنية.
وفي هذه اللحظة الحرجة، صنعت الوحدة بين القوى الوطنية والدينية معجزة حقيقية. فبدعوة من الزعماء الدينيين (وعلى رأسهم آیتالله کاشانی) ومواكبة التيار الوطني، تدفق الشعب بعزم راسخ إلى الشوارع، وفي انتفاضة 30 يوليو 1952، أرغموا الجيش والبلاط على التراجع.
سقط قوام وعاد مصدق منتصراً. وأثبت هذا الحدث أنه متى ما ظلت وحدة الأركان الوطنية والدينية والعمق الميداني للشعب حية ومتماسكة، فإن آلة قمع الاستبداد الداعم للاستعمار ستنكسر وتتراجع.
🔽يتبع في المنشور الثاني
تقاطع الحق والقوة: صعود وسقوط أول حكومة وطنية للنفط في فخاخ الاستعمار
#️⃣الجزء الثاني
4. مفاوضات الخداع: الذئب في ثياب حمل، وفخ الدبلوماسية
بالتزامن مع الحصار البحري، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الساحة تماماً مثل «ذئب في ثياب حمل» لتوقع بمصدق في فخ المفاوضات الاستنزافية.
بدأت هذه المسرحية الخداعية في صيف 1951 بزيارة «أوريل هريمن» (المستشار الخاص للرئيس الأمريكي هاري ترومان) إلى طهران، وتواصلت بنفس النهج لاحقاً في عهد الرئيس دوايت آيزنهاور:
• الدور المزدوج لواشنطن: ظهرت الولايات المتحدة في العلن بوجه نزيه ومتعاطف ومنتقد للاستعمار البريطاني العتيق، محذرة مصدق من أن العناد المفرط سيجر لندن إلى رد عسكري؛ لكنها في الكواليس كانت منسقة تماماً لضمان عدم خروج بنية الاحتكار النفطي عن سيطرة المعسكر الغربي.
• بلورة صيغة «الكونسورتيوم»: كانت المقترحات التي تُطرح على طاولة مصدق تحت عنوان حلول الوساطة (من صيغ هريمن وحتى مقترحات البنك الدولي) تهدف كلها لغاية واحدة: تأسيس عبر صيغة «تحالف دولي (كونسورتيوم)» ينتزع ظاهراً إدارة النفط من الشركة البريطانية البغيضة، لكنه يدخل باطناً شركات النفط الأمريكية الكبرى كـ«شركاء» جدد في مائدة النفط الإيرانية، لكي تستغل واشنطن ضعف بريطانيا وتجني حصتها الخاصة.
• رد مصدق وسقوط الأقنعة: أدرك الدكتور مصدق، الذي راهن طويلاً على الدبلوماسية الحقوقية، تدريجياً أن هذه المقترحات ليست سوى فخ لسلب السيادة الوطنية، فرفضها جميعاً بحزم.
⬅️وهنا انكشفت الحقيقة المرة: إن الوسيط الذي يسعى وراء «حصته» من الغنائم، هو في الواقع شريك خفي. وعندما رأت أمريكا أن هذه الوصفات لا تجدي نفعاً، خلعت قناع الدبلوماسية جانباً.
5. التحديات الهيكلية والتشظي في الجبهة الداخلية
مع انقطاع العوائد النفطية جراء الحصار البحري، واجه الاقتصاد الإيراني أزمة ضارية. ولم يفلح مصدق، الذي علق كل آماله في سلة الدبلوماسية والمفاوضات الماراثونية، في إيجاد حل مستدام لاقتصاد بلا نفط، ولا في صياغة آليات كفيلة بالالتفاف على الحصار والاعتماد على القدرات الذاتية.
في الأثناء، ضرب الجبهة الداخلية شرخ عميق. انهار التحالف الحيوي بين مصدق وآیتالله کاشانی بفعل الخلافات السياسية، والنزعة الأحادية في الحكم، والخوف من تنامي نفوذ حزب توده (الشيوعي).
في الأثناء، ضرب الجبهة الداخلية شرخ عميق. فعلى الرغم من وحدة الصف التي تجلت في انتفاضة يوليو 1952، إلا أن الخلافات السياسية تراكمت لاحقاً؛ بدءاً من التوتر المبكر حول سقف المطالب الدينية لبعض الجماعات مثل فدائيي الإسلام، وصولاً إلى الأزمات الكبرى حول صلاحيات الحكم، وتنامي نفوذ حزب توده (الشيوعي)، والتصدع التدريجي في التحالف الحيوي بين مصدق وآیتالله کاشانی بفعل تباين الرؤى حول إدارة الدولة.
6. الفاعلون الدوليون: تنافس ظاهري وتوافق في المصالح
على الساحة العالمية، لم يكن الكبار سوى متنافسين في واجهة الحرب الباردة، لكنهم توحدوا خلف المصالح الاستعمارية عند الجد:
• الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد إخفاق مفاوضات الخداع ويأسها من استسلام مصدق، مدت يدها لبريطانيا للإطاحة بالحكومة الوطنية.
• الاتحاد السوفيتي، فلم تكن لديه رغبة في خوض مواجهة مكلفة مع الغرب لحماية دولة وطنية غير شيوعية، فأصدر أوامره لحزب توده بلزوم الصمت والحياد السلبي.
وبدوره، لم يتحرك الحزب رغم امتلاكه بنية عسكرية، ليبقى وصمة هذا التقاعس والخيانة مرسومة على جبينه للأبد.