تقاطع الحق والقوة: صعود وسقوط أول حكومة وطنية للنفط في فخاخ الاستعمار

#️⃣الجزء الثالث والأخير
7. أغسطس 1953؛ السقوط بميزانية زهيدة وخطأ في التقدير
في أغسطس 1953، وقع مصدق في خطأ جسيم حين طلب من أنصاره ملازمة بيوتهم ليتولى الجيش حفظ النظام.
في أغسطس 1953، وقع مصدق في خطأ جسيم حين طلب من أنصاره ملازمة بيوتهم ليتولى الجيش حفظ النظام. وفي شوارع خالية من المقاومة الشعبية، نفذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) – بالتنسيق مع قيادة الجيش العسكري الإيراني والجنرال فضلالله زاهدي – انقلاباً عسكرياً محكماً، مُعززاً بميزانية تشغيلية زهيدة (نحو 60 إلى 75 ألف دولار) لشراء العملاء وتحريك الغوغاء في الشوارع بقيادة شخصيات مثل شعبان جعفري لإسقاط الحكومة الوطنية.
سقطت الحكومة في غضون 24 ساعة، وحوكم مصدق ونفي، وتم إعدام الدكتور حسين فاطمي رَمياً بالرصاص رغم اشتداد المرض عليه، وقُسم النفط الإيراني عبر صيغة تحالف دولي (كونسورتيوم) بين الشركات الأمريكية والبريطانية.
أثبتت هذه الهزيمة أن الاستعمار، قبل أن يوجه ضربته الخارجية، يفتح أبواب الأوطان من الداخل عبر الفرقة، والانقسامات الداخلية، والثقة الساذجة بدبلوماسية بلا رادع.
خاتمة: قراءة في العِبر؛ لماذا يتكرر التاريخ؟
بعد أن طوينا هذه الصفحات المرة والمحملة بالدروس، يجدر بنا أن نتأمل النص مرة أخرى بعيون أكثر نفاذاً.
فعِبر أغسطس 1953 ليست مجرد وقائع تاريخية جامدة في الماضي، بل هي سنن حية ومتجددة تكررت مراراً في التاريخ السياسي:
• انهيار الوحدة لأسباب واهية: متى ما تصدع التحالف بين الأركان الشعبية والوطنية والدينية بفعل الأنانيات أو التفرّد أو اختراقات الأعداء، فُتِح الباب واسعاً أمام الاستبداد والاستعمار. إن الخلافات البينية هي أثمن هدية تُقدم للخصم الخارجي.
• الغفلة عن الاعتماد الذاتي ومواجهة الحصار: الاقتصاد الخالي من قاعدة إنتاجية حقيقية ينهار هيكلياً مع أول حصار بحري أو عقوبات نفطية. وإن العجز عن ابتكار حلول بديلة ومواجهة العقوبات بالقدرات الذاتية هو نقطة الضعف القاتلة للدول المستقلة.
• الوقوع في فخ المفاوضات اللانهائية: إن الدبلوماسية المجردة عن قوة الردع الميداني ليست سوى «مفاوضات خداع» لكسب الوقت واستنزاف إرادة الشعوب.
وإن التعويل على حسن نوايا القوى المهيمنة خطأ حسابي فادح.
• وهم التفرقة بين القوى الكبرى: ربما تتصارع الدول الاستعمارية في واجهة الاستقطاب السياسي، لكنها تقف صفاً واحداً متى تعلق الأمر بالمصالح العليا ونهب ثروات الشعوب. فأمريكا وبريطانيا وسائر أركان منظومة الهيمنة شركاء على مائدة واحدة، لا منقذون للشعوب.
بهذا المنظور، لا يعد مصير حركة تأميم النفط هزيمة عابرة، بل هو «خريطة طريق» لفهم الطبقات الخفية للسياسة العالمية؛ خريطة تجعل قراءتها المتكررة ضرورة قصوى لكل باحث ومحلل.