في ثلاث مقابلات مع روسيا اليوم، المنار، والقاهرة الإخبارية، قدّم الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان قراءة قاسية للمسارين اللبناني والإيراني، معتبراً أن ما يجري خلف الكواليس يكشف مأزقاً أكبر بكثير مما توحي به التصريحات الرسمية.
لبنان أمام مفاوضات بلا أفق واضح
بحسب شومان، فإن المسار التفاوضي اللبناني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بدأ بنفق، وهو اليوم عالق في مأزق.
فلبنان المفاوض لا يعرف حتى الآن متى ستُعقد الجولة الثامنة، ولا ما هي عناوينها، ولا حتى ما إذا كانت ستُعقد فعلاً.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: عندما يصبح الطرف المفاوض غير قادر على تحديد موعد الجولة المقبلة أو جدول أعمالها، فهذا يعني أن المسار نفسه دخل مرحلة من الضبابية والجمود.
والأخطر أن حكومة بنيامين نتنياهو أبلغت الإدارة الأميركية، وفق ما يتم تداوله، بأن نموذج “المناطق التجريبية” قد فشل.
إذا صحّ ذلك، فالمعنى واضح: لا إعادة انتشار لقوات الاحتلال، ولا خطوات جدية من هذا النوع.
وبالتالي، فإن أحد أهم مضامين الاتفاق ـ الإطار الموقّع في 26 حزيران/يونيو الماضي أصبح عملياً موضع شك.
لكن الأخطر يأتي من واشنطن.
بحسب ما أصبح متداولاً في الإعلام الأميركي والإسرائيلي، فإن واشنطن وتل أبيب تتجهان نحو محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لتبنّي الاتفاق ـ الإطار.
وهنا يجب الانتباه جيداً:
الاتفاق ـ الإطار، بصيغته المتداولة، لا ينص على وقف إطلاق النار ولا على انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلة.
أي أن تحويله إلى قرار دولي قد لا يكون مجرد خطوة إجرائية، بل قد يكون محاولة لتثبيت صيغة سياسية جديدة لا تمنح لبنان ما يفترض أن يكون جوهر أي تسوية: وقف العدوان والانسحاب.
وماذا عن الولايات المتحدة؟
شومان يشير إلى تحول لافت داخل النقاش الأميركي نفسه، حيث بدأ عدد من كبار المفكرين والاستراتيجيين الأميركيين يتحدثون علناً عن حدود القوة الأميركية وعدم قدرتها على حسم ملفات عالمية كبرى بالقوة العسكرية، ومن بينها الحرب على إيران.
وهذا، في حد ذاته، مؤشر مهم.
لأن الاعتراف بحدود القدرة على تحقيق الحسم يعني، بصورة أو بأخرى، الاعتراف بأن أهداف الحرب لم تتحقق كما كان مخططاً لها.
والأبعد من ذلك أن العالم بدأ يتعامل مع الولايات المتحدة بطريقة مختلفة.
هناك، بحسب شومان، اتجاه متزايد لدى دول إقليمية، وكذلك لدى بعض الدول الأوروبية، نحو بناء مظلات أمنية ذاتية بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن.
وهذا التحول أخطر على النفوذ الأميركي من مجرد خسارة معركة عسكرية.
فالقوة العظمى تبدأ بالتراجع عندما يبدأ حلفاؤها بالبحث عن بدائل لأمنهم خارج مظلتها.
أما على خط طهران ـ واشنطن، فالتقدير واضح:
لا مفاوضات إيرانية ـ أميركية في المدى المنظور، وربما أبعد من ذلك.
أما لبنان، فالمشهد أكثر قسوة.
يصف شومان المفاوضات اللبنانية مع دولة الاحتلال بأنها أشبه بـ سياسة الإصرار على الارتطام بالحائط.
والسبب أن لبنان المفاوض، بحسب قراءته، يراهن على أن تمارس واشنطن ضغوطاً على إسرائيل.
لكن الوقائع، كما يقول، تشير إلى العكس تماماً:
الضغط الأميركي موجّه إلى لبنان.
والدليل الأبرز هو أن واشنطن لا تضغط على نتنياهو لتحديد المناطق التجريبية، في حين تضغط على الجانب اللبناني لتشديد ما تسميه “الإجراءات السيادية”.
وهنا السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
إذا كانت واشنطن وسيطاً، فلماذا تبدو الضغوط موجهة إلى الطرف اللبناني أكثر من الطرف الذي يحتل الأرض؟
ربما لأن المسألة لم تعد مجرد مفاوضات حول ترتيبات ميدانية.
المعركة الحقيقية هي على شكل لبنان بعد الحرب، وعلى من يفرض شروطه عندما تُكتب التسوية.
والأخطر أن لبنان قد يجد نفسه أمام اتفاق يُطلب منه الالتزام به، بينما الطرف الإسرائيلي يحتفظ بالاحتلال والقدرة على المناورة، وتتحول الضغوط الدولية إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع اللبناني من الداخل.

