تشهد الحرب في اليمن تصعيداً متسارعاً من جديد، فيما تتحول تعز إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية وحسماً.
أعلنت قوات موالية لصنعاء وأنصار الله تحقيق تقدم واسع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية في المناطق الجبلية الوعرة جنوب وغرب محافظة تعز. وتقول مصادر مؤيدة لصنعاء إن أكثر من 200 كيلومتر مربع من الأراضي الجبلية انتقلت إلى سيطرتها، وإن قواتها دخلت منطقة الصافية الواقعة على المحور الاستراتيجي بين التربة ومدينة تعز، وذلك بعد وساطة قبلية هدفت إلى تجنب القتال وحقن الدماء.
لكن حجم التقدم المعلن، ولا سيما رقم 200 كيلومتر مربع، لم يتم التحقق منه بشكل مستقل حتى الآن، فيما تنفي مصادر يمنية موالية للحكومة سقوط الصافية بالكامل.
ومع ذلك، فإن ما بات أكثر وضوحاً هو أن قوات أنصار الله حققت تقدماً على عدة محاور في تعز، وأصبحت تشكل ضغطاً متزايداً على خط الإمداد البري الحيوي بين تعز وعدن.
وتشير تقارير ميدانية موثقة جغرافياً، أوردها مشروع Critical Threats Project، إلى وصول التقدم إلى مسافة تقدر بنحو 10 إلى 15 كيلومتراً من أجزاء من هذا الممر الحيوي.
وهذا يفسر شدة الرد.
في 2 أكتوبر/تشرين الأول، قالت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إن طيرانها نفذ 20 غارة خلال ثلاث ساعات فقط استهدفت قوات وآليات ومواقع عسكرية تابعة لأنصار الله في تعز.
كما أفادت تقارير بأن السلطات أغلقت نحو 19 طريقاً مؤدياً إلى تعز وحولتها إلى مناطق عسكرية مع اتساع رقعة المواجهة.
استراتيجياً، الجائزة الحقيقية ليست مجرد السيطرة على جبل أو قرية إضافية.
فمحور تعز–عدن يعد واحداً من أهم شرايين الإمداد التي تعتمد عليها القوات الموالية للحكومة في محيط تعز.
وإذا تمكنت قوات صنعاء من وضع هذا الطريق تحت نيران مستمرة، أو قطعه فعلياً، فإن القوات المدافعة عن تعز ستواجه مشكلة إمداد أكثر تعقيداً، فيما يبدأ الضغط بالانتقال جنوباً نحو لحج وصولاً في نهاية المطاف إلى عدن.
وفي الوقت نفسه، تعرضت عدن نفسها لهجوم خلال الليل.
استهدفت صواريخ وطائرات مسيّرة انتحارية منشآت تابعة للتحالف بقيادة السعودية في محيط مديرية البريقة فجر 2 أكتوبر، ما أدى إلى سلسلة انفجارات قرب مواقع للتحالف وقوات درع الوطن.
كما أفادت رويترز بوقوع هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت مقر قيادة التحالف في عدن.
وتحدثت تقارير ميدانية عن مشاركة ما يصل إلى ثماني طائرات مسيّرة في الهجوم، إلا أن هذا الرقم لم يتم تأكيده بشكل مستقل.
وتباينت الروايات المحلية؛ إذ تحدثت بعض المصادر عن سبعة انفجارات، بينما أظهرت مشاهد أخرى ما قيل إنها ثلاث طائرات هجومية على الأقل.
وقالت مصادر عسكرية جنوبية إن عدداً من المسيّرات تم اعتراضه، وإن التقارير الأولية لم تسجل خسائر كبيرة في الأفراد أو المعدات.
لكن الرسالة العسكرية تبقى واضحة.
صنعاء تحاول الجمع بين التقدم البري في تعز وبين الضغط بالصواريخ والمسيّرات بعيدة المدى على المناطق الخلفية التي تعتمد عليها القوات المقابلة.
ومن منظور محور المقاومة، فإن هذا يعكس النموذج العملياتي الذي عملت أنصار الله على تطويره خلال السنوات الماضية:
إجبار الخصم على الدفاع في الوقت نفسه ضد الضغط البري في الجبهة، والصواريخ والمسيّرات في العمق، والتهديد المستمر لخطوط الإمداد الاستراتيجية.
ومن منظور عسكري أوسع، يبقى السؤال الأهم الآن هو:
هل تستطيع هذه القوات تثبيت مكاسبها والاحتفاظ بها؟
فالسيطرة على مناطق جبلية شيء، لكن الحفاظ على خطوط الإمداد، وتحمل الغارات الجوية، وتحويل المكاسب التكتيكية إلى سيطرة دائمة على محور تعز–عدن شيء أكثر صعوبة بكثير.
لكن بعد سنوات من الجمود النسبي على خطوط التماس منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، تُظهر المعارك الحالية أن الجبهة اليمنية بدأت تتحرك من جديد.
وقد تكون تعز اليوم هي الجبهة التي ستحدد إلى أي مدى يمكن أن يمتد هذا التحرك جنوباً.
