غزة
في مشهد يعكس أبعاداً أعمق بكثير من مجرد حدث أمني عابر، شهدت الأيام الأخيرة في قطاع غزة تحولاً غريباً ومقلقاً؛ حيث تحولت "طائرات ورقية" بسيطة ومصنوعة من أدوات خفيفة ومجردة بطبيعتها من أي قدرة على حمل أي شيء –إذ لا تستطيع بطبيعتها سوى الطيران كألعاب خفيفة مصنوعة من الأوراق والنايلون والخيط– إلى مادة لتضخيم أمني وسياسي غير مسجوق من قِبل المؤسسة الإسرائيلية.
فقد عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس جلسة تقييم أمني أصدروا إثرها تهديدات علنية ومباشرة، متوعدين بتنفيذ عمليات اغتيال وإخلاء أحياء سكنية كاملة في غزة، ووصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية وكاتس هذا اللعب البسيط بأنه "عمل حربي" و"إرهاب طائرات ورقية"، رغم الإقرار الرسمي بأن الطائرات لم تكن تحمل شيئاً.
وعلى السياق ذاته، اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت أن هذا الواقع هو دليل على فشل الحكومة في نزع سلاح حماس، معتبراً أن الحركة "تعود لترفع رأسها من جديد".
هذا التهويل المفتعل المتمثل في تحويل ألعاب الأطفال البسيطة إلى تهديدات إرهابية مروعة يطرح تساؤلات خطيرة حول الأهداف الحقيقية لنتنياهو والسياسات الإسرائيلية، بالتزامن مع مساعي "مجلس سلام ترامب" وغيره من المسارات.
إننا لم نعد نتحدث فقط عن مرحلة "حصر السلاح" أو نزعه، بل تجاوزنا ذلك بكثير إلى مرحلة "حصر الحياة" بيد إسرائيل.
إنهم يريدون حصر كل شيء بيدهم، ولو كان لديهم القدرة على سلب الهواء من أهالي غزة لفعلوه؛ فهم يسعون لتدمير ومحو كل مظاهر الحياة البسيطة، بل وحتى سرقة أي ابتسامة من وجوه الأطفال.
وما يؤلم القلوب ويختصر المشهد هو ما نشاهده في هذا الفيديو؛ الطفل الفلسطيني الذي يمزق بقهر شديد طائرته الورقية البسيطة ويبكي بحرقة بعد التهديدات والقصف الذي طال غزة بذريعتها الواهية.
ومع كل هذا الدمار الممنهج، لا زال هناك من يراهن على مفاوضات أو اتفاقيات مع كائنات كهذه!
