حين تتصادم "الواقعية السياسية" مع "الذاكرة الوطنية": المؤسسة الدينية أمام اختبار المبادئ
في خطوة أثارت تساؤلات حادة في الشارع العراقي، توجّه وفدٌ رسمي برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، وفي طيات هذا الوفد كان حضورٌ لافت لرئيس هيئة الصحة والتعليم الطبي في العتبة الحسينية، الدكتور حيدر العابدي. لم تكن هذه الرحلة بروتوكولية فحسب، بل انتهت بتوقيع سلسلة عقود وشراكات مع شركات أمريكية كبرى، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول تحولٍ في نهج مؤسسات العتبة التي لطالما كانت في الوجدان الشعبي حصناً للقيم والتعفف عن السياسة الدولية.
▪️ توقيتٌ يتجاهل الجرح:
تكتسب هذه الزيارة حرجاً مضاعفاً بسبب "توقيتها الصادم"؛ فقد تمت بعد أيام قلائل من تشييع المرجع الديني الكبير وولي الفقيه، السيد علي الخامنئي، الذي اغتيل بقرار مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يكتفِ بالتنفيذ بل تباهى بالاعتراف الصريح بمسؤوليته عن هذه الجريمة.
وفي وقتٍ لا يزال فيه المشهد المهيب للتشييع حاضراً في وجدان جزءٍ كبير من الشيعة، جاء ذهاب وفدٍ يضم قياداتٍ من العتبة الحسينية إلى واشنطن ليوحي بقطيعةٍ مؤلمة مع مشاعر القاعدة الشعبية التي تنظر إلى هذا التوقيت كاستفزازٍ لرمزية القيادة التي فُقدت.
تأتي هذه الزيارة في ظل حربٍ مفتوحة قُتل فيها ما يقرب من 100 عراقي، وفي وقتٍ لا تزال فيه الذاكرة العراقية لم تندمل من جراح عقود من السياسات الأمريكية:
ففي حرب "عاصفة الصحراء" عام 1991، استُخدم نحو 944 ألف طلقة من ذخائر اليورانيوم المنضب، وصولاً إلى غزو عام 2003 الذي استخدم فيه أكثر من 1200 طن من الذخائر ذاتها.
▪️ السرطان: الجريمة التي لم تُغفر:
وكيف لا تثير هذه العقود الرعب في قلوب العراقيين، وقد ترك استخدام تلك الصواريخ والذخائر المشبعة باليورانيوم المنضب ندوباً في أجساد العراقيين لا تزال تنزف؟
إننا اليوم نواجه نحو 140 ألف حالة سرطان، مع تسجيل 7-8 آلاف حالة جديدة سنوياً.
ففي البصرة وحدها، سجلت الدراسات زيادة بنسبة 100% في إصابات الأطفال بسرطان الدم، و242% في جميع أورام الأطفال، فضلاً عن ارتفاع التشوهات الخلقية بنسب مرعبة.
إن التعاقد مع شركات أمريكية، في الوقت الذي لا تزال فيه أرضنا ملوثة ومستشفياتنا تعج بضحايا "التلوث الإشعاعي" الذي تسببت به آلة الحرب الأمريكية، هو تجاهلٌ صارخ لآلام شعبٍ لا تزال أجساد أطفاله تدفع ثمن تلك الحروب.
▪️ المقاطعة العالمية مقابل التطبيع التقني
في الوقت الذي انخرطت فيه شعوب العالم، من مسلمين وغيرهم، في حركات مقاطعة واسعة وشاملة للمنتجات والشركات الأمريكية والإسرائيلية—تضامناً مع آلاف الأطفال الذين أُبيدوا في غزة ولبنان تحت القصف المدعوم أمريكياً، ورفضاً لتدمير المستشفيات وقتل الأطباء—تأتي هذه الاتفاقيات لتغرد خارج السرب.
فبينما يصر الأحرار حول العالم على أن سلاح المقاطعة هو أدنى درجات التعبير عن الموقف الأخلاقي، تختار المؤسسة الدينية في العراق طريق "التطبيع التقني" مع الجهة ذاتها التي تمول آلة القتل في غزة ولبنان.
▪️ سقوط المبدأ أمام "المصلحة"
إن السؤال الملحّ هنا ليس حول جدوى الخدمات الطبية، بل حول "المبدأ": كيف تذهب مؤسسة تابعة للعتبة الحسينية، والتي تُدار وفق توجيهات المرجعية الدينية التي يرى فيها الكثيرون رمزاً للكرامة، لتوقع اتفاقيات مع دولة هي المسؤول الأول عن دمار العراق؟
إن هذا التصرف يُفسر بوضوح على أنه انحياز كامل لـ "الواقعية السياسية" (Realpolitik) على حساب الذاكرة الوطنية والدينية، حيث يبدو أن "المصلحة" في الحسابات المؤسساتية باتت تتفوق على "المبدأ"، حتى في المؤسسات التي لطالما تغنت بأنها حامية للقيم.
خاتمة: البحث عن توازن**
إن هذا التباين بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية يفرض تحدياً حقيقياً أمام المؤسسة الدينية، التي تجد نفسها اليوم في مفترق طرق. فبين الحاجة إلى تطوير الخدمات الطبية وبين الحفاظ على الذاكرة الجماعية والارتباط العاطفي بالقضايا العادلة، تبرز حاجة ماسة لمراجعة هذه التوجهات.
إن التساؤلات المشروعة التي يطرحها الشارع العراقي حول مواءمة هذه الخطوات مع الثوابت الوطنية والأخلاقية تستوجب إيضاحات صريحة، لضمان استمرار الثقة بين المؤسسة وقواعدها الشعبية التي طالما رأت في هذه العتبات صمام أمانٍ للقيم والمبادئ في زمنٍ طغت فيه لغة المصالح.