خريطة الحدود الإسرائيلية والصمت اللبناني: اختبار السادة والسيادة في معركة تثبيت الحدود

العنوان : وزير الخارجية
بلع لسانه أمام خريطة تغيير الحدود: هل تجرؤ السلطة على تعليق جولة التفاوض المقبلة؟
الكاتب :
(الكلمة الأولى : فريق التحرير )
التاريخ: ١١/ ٨/ ٢٠٢٦
المصدر : صحيفة الأخبار/
العدد 5847
تكتسب المحاولات الإسرائيلية الأخيرة لإعادة رسم الحدود في جنوب لبنان أبعاداً استراتيجية تتجاوز نطاق الإعلام والمنشورات الرقمية، لتضع المسار التفاوضي برمتها أمام لحظة اختبار حاسمة.
يأتي ذلك عقب نشر وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة إحصائية اقتطعت أجزاءً من الأراضي اللبنانية وضمتها لكيان الاحتلال، ورغم حذف الخريطة لاحقاً من أحد الحسابات، إلا أنها بقيت متداولة على الحساب الناطق باللغة العربية، وسط غياب تام لأي موقف رسمي حاسم من وزارة الخارجية اللبنانية.
تكشف هذه الواقعة عن استراتيجية إسرائيلية قائمة على الدمج بين الضغط العسكري والمناورة السياسية؛ إذ لا تعدّ إسرائيل التفاوض بديلًا عن أدوات النفوذ والميدان، بل وسيلة إضافية لتثبيت ترتيبات أمنية وواقع جغرافي فرضته الحرب. وفي المقابل، تظهر السلطة اللبنانية ارتباكاً ملموساً عبر الاكتفاء بتسريبات إعلامية عن اتصالات قامت بها السفارة اللبنانية في واشنطن، بدلاً من اتخاذ خطوات دبلوماسية تثبيتية تُسجّل رسمياً في مراجع الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحماية الحدود الدولية المعترف بها منذ اتفاقية 1923 واتفاق الهدنة عام 1949.
يتزامن هذا التوتر مع تعثر واضح يهدد انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن تأخير تحديد موعد الجولة المقبلة بسبب رفض لبنان إجراء مفاوضات قريبة احتجاجاً على عدم توسيع مناطق الانسحاب، في حين احتجت تل أبيب لدى واشنطن متهمة الجيش اللبناني بالتنسيق مع حزب الله في الجنوب.
هذا التعطل يضع بيروت أمام معضلة حقيقية تمس جدوى الاستمرار في مسار تفاوضي يفرض فيه الاحتلال شروطه بالقوة دون تقديم أي ضمانات بالانسحاب الكامل.
على صعيد الترتيبات الأمنية والميدانية، تبدو فكرة "المناطق التجريبية" محفوفة بالمخاطر؛ إذ يسعى الاحتلال لترسيخ صيغة نفوذ غير مباشر تتيح له استهداف هذه المناطق متى شاء، مما يعطل قدرة الجيش اللبناني على الانتشار ويمنع الأهالي من العودة وإعادة الأعمار. وعلى الرغم من المطالبات الأميركية بانسحاب إسرائيلي من نقاط إضافية، يصر الاحتلال على رفض توسيع نطاق الانسحاب، لتبقى المعركة الحقيقية تدور حول ما إذا كانت هذه الترتيبات تمهيداً لانسحاب شامل أم غطاءً لسيطرة طويلة الأمد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تباين في القراءة السياسية الداخلية للوقف التفاوضي؛ حيث تحذر أوساط مقربة من الرئاسة اللبنانية من أن تعليق المفاوضات قد يتحول إلى "فخ" يمنح إسرائيل حرية أكبر للقيام باعتداءات ميدانية. غير أن الاكتفاء بالتراجع أو خوض المفاوضات دون استناد إلى مرجعيات وثائقية ودبلوماسية صارمة يحول الموقف اللبناني إلى مجرد رد فعل عابر، ويفقد الدولة أوراق الضغط اللازمة لحماية حدودها وسيادتها الوطنية.