توظيف واشنطن لتصعيد الضغوط الاقتصادية على إيران

پريسا نصرآبادي

ربما كان أهم مقطع في تصريحات سكوت بيسنت، وزير خزانة الولايات المتحدة، (24 أغسطس 2026)، وهو ما لم يحظَ باهتمام كبير، هو هذا الجزء:

"خطاباً إلى الجنود العاديين الذين يدعمون هذا النظام: كلما زاد عدد الأشهر التي لا تتلقون فيها رواتبكم أو تؤجل بشكل مزعوم، اسألوا أنفسكم: هل قادتكم يقودون بلدكم إلى النصر والرفعة أم إلى الدمار؟ وتذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر الجنود العاديون ألا يطلقوا النار على شعبهم!

وخطاباً إلى أولئك الذين يمكّنون طهران من الاستمرار في هذا المسار: لا تستخفوا بثمن اختبار عزيمة واشنطن!"

يمكن اعتبار هذه التصريحات دعوةً لعملٍ مقصود، تختبئ خلف استدعاء تاريخي، وهي جديرة بالاهتمام من عدة زوايا:

1. في سياق تصعيد الضغوط القائم على المنطق الاستراتيجي لـ"عملية العزل الاقتصادي" و"الحصار الصفري"، ومع الأخذ بالاعتبار الأثر التراكمي لهذه الضغوط، تعتزم واشنطن توجيه ضربات معيشية قاسية إلى فئات مختلفة من الشعب الإيراني، لكن العاملين في القوات المسلحة هم من بين أهم الفئات المستهدفة.

تريد الإدارة الأمريكية عمداً تحويل خط الفقر المؤسسي في القوات المسلحة إلى أداة سياسية.

2. لا تعتمد واشنطن فقط على تحليلات تل أبيب، بل تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة وضعتها ضد طهران، وتعتبر اندلاع احتجاجات واسعة النطاق نتيجة الاضطرابات الاقتصادية العميقة في إيران أمراً حتمياً لا مفر منه. لذا، تسعى من خلال "تصعيد الضغط الهيكلي" إلى تهيئة ظروف تجعل أي شرارة قادرة على التحول إلى أزمة.

3. حدوث انشقاقات حاسمة في التسلسل الهرمي للقوات المسلحة هو أمل آخر لواشنطن؛ من ظهور خلافات وانقسامات في مستويات القيادة (خاصة في المستوى العملياتي المتوسط)، والكوادر، والجنود.

تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيق سيناريو يؤدي فيه، زيادةً على انهيار التماسك الداخلي للقوات المسلحة، إلى تفعيل الصدوع في النقاط الحدودية الحساسة، وانتشار الفوضى وانعدام الأمن من السواحل إلى داخل المدن، بالتزامن مع فتح جبهات متعددة من قبل الأعداء وقواتهم المرتزقة، مما يؤدي إلى المفاجأة وعدم التركيز وإضعاف الهيكل القتالي لإيران.

إن تزامن "فتح جبهات متعددة" مع "المفاجأة وعدم التركيز" هو منطق "الحرب الهجينة"، وتحاول الولايات المتحدة وإسرائيل متابعة هذا المنطق بدقة.

4. الغاية النهائية للولايات المتحدة من تصعيد واستمرار التهديدات والضغوط في الحرب الهجينة الجارية هي إحداث تغييرات جذرية في البنية السياسية لإيران.

تحقيق هذا الهدف، سواء عبر نوع من "الاستحالة القصوى" (ذات المخاطر والتكلفة الأقل) أو عبر "تغيير النظام" الكلاسيكي (ذو المخاطر والتكلفة الأعلى)، مقبول لدى واشنطن ويتوافق مع رؤيتها للهندسة الأمنية الناشئة في المنطقة.

في الأدبيات الاستراتيجية الأمريكية، تعني "الاستحالة القصوى" بشكل أساسي:

"تغيير السلوك"، و"تغيير الحسابات الأمنية"، و"التقييد العميق" للقدرات الهجومية للطرف المقابل (إيران)، وليس بالضرورة الانهيار المؤسسي الكامل.

أما "تغيير النظام" فيحمل مخاطر إقليمية أعلى، ومن المرجح جداً أن يترافق مع ردود فعل واسعة من حلفاء إيران الإقليميين، وعدم استقرار في الطاقة، وتدخل القوى خارج الإقليم.

لذلك، حتى لو ورد "تغيير النظام" في الوثائق كخيار مطروح، فإن التفضيل العملياتي لواشنطن هو المسار الأقل تكلفة عسكرية مباشرة والأقل خطورة من حيث التداعيات الإقليمية.

5. المقارنة التي أجراها بيسنت بين إيران وألمانيا الشرقية هي مقارنة غير دقيقة تماماً.

في عام 1989، عشية سقوط الجدار، لم تكن برلين تتعرض لهجوم خارجي؛ بل كان حرس الحدود في ألمانيا الشرقية يواجهون مواطني بلدهم. كما أن قيادة ألمانيا الشرقية لم تكن ترغب في تحمل مسؤولية استخدام السلاح. ونتيجة لذلك، لم يُصدر الأمر الذي كان يمكن لحراس الحدود رفض تنفيذه أبداً.

أما الآن، فإن الدعوة الموجهة للقوات العسكرية الإيرانية صادرة عن دولة معادية، جيشها قصف بلادنا في 28 فبراير 2026 وارتكب جرائم واسعة النطاق؛ بالإضافة إلى ذلك، قامت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية بالتدخل والمشاركة الفاعلة والمباشرة في الأحداث الإرهابية وشبه الانقلاب في ديسمبر من العام الماضي.

والآن، فإن تزامن العدوان الخارجي، ورواية المقاومة، واحتمال تكرار الأعمال الإرهابية** في ظل حالة التهديد وعدم الاستقرار، يجعل حسابات الولاء داخل البنية أكثر تعقيداً بكثير، ولا يترك مجالاً لهذا النوع من الألعاب الكلامية الدعائية.