تفاؤل برّي يصطدم بالواقع الاستراتيجي السوري
حسب جريدة الاخبار اللبنانية وصف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي لقاءه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأنه كان
«صريحاً ومثمراً»
، في إشارة إلى أن
«سوريا الجديدة»
تريد طيّ صفحة الخلافات مع الطائفة الشيعية في لبنان.
لكن خلف اللغة الدبلوماسية، تكمن حقيقة أكثر تعقيداً بكثير.
التشبيه بالعراق لا يصمد
قد تتبنى دمشق سياسة «صفر مشاكل» مع جيرانها، لكن لبنان يختلف جذرياً عن العراق.
العراق دولة ذات سيادة، ونظامه السياسي الذي تقوده قوى شيعية يدير مؤسسات الدولة الرسمية، فيما تربط دمشق ببغداد مصالح مباشرة تتعلق بالتجارة والحدود والطاقة والشرعية الإقليمية.
أما المعادلة اللبنانية فهي مختلفة. فما زال حزب الله لاعباً سياسياً وعسكرياً رئيسياً، وهو طرف خاض مواجهة مباشرة مع القوات التي كان يقودها أحمد الشرع خلال الحرب السورية.
وهذا التاريخ لا يمكن محوه ببساطة عبر البيانات والتصريحات الدبلوماسية.
العداء الدموي متجذّر بعمق
تشكّلت المسيرة السياسية والعسكرية لأحمد الشرع في مواجهة إيران وحلفائها الإقليميين.
وبصفته القائد السابق لـجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، أمضى الشرع سنوات في قتال القوات الحكومية السورية ومواجهة مقاتلي حزب الله في ساحات رئيسية من الحرب السورية.
من القصير إلى حلب وإدلب، لعب تدخل حزب الله دوراً رئيسياً في هزيمة القوات التي كانت تقاتل ضد دمشق.
وسقوط حكومة الأسد لم يؤدِّ تلقائياً إلى إنهاء هذه التوترات.
بل تحولت إلى اشتباكات حدودية، ومداهمات، وعمليات لمكافحة التهريب، وحملات أمنية استهدفت شبكات يُزعم ارتباطها بحزب الله.
القيد الاستراتيجي
حتى لو كان الشرع يريد فعلاً تقديم نفسه كرجل دولة براغماتي، فإن المصالحة مع حزب الله تواجه عقبات بنيوية عميقة.
فقاعدته الداخلية لا تزال تنظر بعين الشك العميق إلى حزب الله وإيران.
وفي الوقت نفسه، تسعى دمشق إلى الحصول على الاعتراف الغربي والخليجي، والمساعدات الاقتصادية، وتخفيف العقوبات، وهو مسار جيوسياسي يتطلب الحفاظ على مسافة واضحة عن طهران ومحور المقاومة.
ومن ثم، فإن أي تقارب حقيقي مع حزب الله ستكون له تكلفة سياسية كبيرة.
ماذا بعد؟
قد تخدم لغة برّي الدبلوماسية هدفاً مهماً: إظهار الاستقرار ومنع حدوث قطيعة جديدة بين بيروت ودمشق.
لكن البراغماتية الدبلوماسية ليست هي المصالحة التاريخية.
والسيناريو الأكثر واقعية ليس «طيّ صفحة» تاريخية، بل إقامة علاقة باردة وتبادلية تحكمها ملفات الحدود والأمن والنازحين والتجارة والضرورات السياسية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت دمشق وبيروت قادرتين على الحوار.
نعم، هما قادرتان على ذلك.
السؤال هو: هل يمكن فعلاً تجاوز عقود من المواجهة الأيديولوجية، والدماء التي سالت في ساحات القتال، وتضارب التحالفات الإقليمية؟
حتى الآن، تشير المعطيات إلى تعايش حذر، وليس مصالحة حقيقية.

